الطفولة الستون رائعة محمد الصباغ السردية

محمد الصباغ

 

الطفولة الستون  رائعة محمد الصباغ السردية

الدكتور نجيب العوفي

عن طنجة الأدبية


 

على امتداد نصف قرن من الزمان ونيف، وتحديدا منذ  1953 إلى الآن، وإبداع محمد الصباغ شلال نمير لاينفك عن التدفق والتألق ، وعنقود ندى لاتغيض نداوته وطلاوته.

على امتداد نصف قرن من الزمان ونيف ، وإبداع محمد الصباغ شجرة نور ونار...شجرة لآلئ ومحار.

وهاهو ذا ، بعد كل هذه السنوات الحوافل وانطلاقا منها، يصدر رائعته السردية الباذخة (الطفولة الستون).

إنها حقا ، لطفولة ستون،

مترعة بالإفاويق والفتون

ذلك أن المبدع، مهما أوغل في الزمان، واكتهل منه الكاهل ووهن منه العظم، يظل إبداعه محتفظا بطفولته وشبابه ، ويفاعته ويناعته

لأن الإبداع أساسا مجابهة للزمن ومقاومة للاكتهال والزوال.

لأن الإبداع ببساطة ، لايشيخ ! و(الطفولة الستون) ، صادرة عن منشورات دار الأمان بالرباط، في حلة قشيبة مناسبة لإبداع الصباغ . وهي تتوزع إلى ثلاثة أجزاء من القطع الكبير، ويبلغ تعداد صفحاتها 845  صفحة، وتتصدر غلافها صورة أنيقة وباسمة للكاتب، مطلا بابتسامته الرضية على الشريط الطويل لطفولته الستين، إذ هو ماض في طفولته السبعين.

وقد آثر الصباغ أن يمهر طفولته الستين ، بصطلح "رواية" ، عن قصد منه وعمد، فعمله الإبداعي هذا ، ذو نفس سردي طويل وحفيل لا يستوعب زخمه سوى إهاب الرواية.

وإذا سلمنا معه بالصفة الروائية التي ارتضاها لعمله، تكون (الطفولة الستون)، أطول نص روائي مغربي، لايدانيها في ذلك سوى ثلاثية مبارك ربيع (درب السلطان)، في ثلاثة أجزاء أيضا.

لكن (الطفولة الستون) مع ذلك، هي مشاهد ومحكيات متنامية منتهلة من حياة الكاتب في تطوان والرباط وإسبانيا. فهي إذن، أقرب إلى نمط السيرة الذاتية المتمحورة حول "أنا" الكاتب المتعينة في الواقع.

وهي بمشاهدها ومحكياتها المقطعية التي يبلغ تعدادها  468  مقطعا، أقرب أيضا إلى نمط المذكرات الشخصية أو السيرية ، الناضحة من معين الذاكرة والقائمة على آلية الاسترجاع والاستحضار . ومن تم تتناوح (الطفولة الستون) بين ضفاف الرواية وضفاف السيرة الذاتية وضفاف المذكرات ، مع وجود خيطية سردية وعضوية تشج بين محكياتها ومفاصلها، من خلال شخصية "الفتى" السارد حينا والمسرود عنه حينا ثانيا والمسرود له حينا ثالثا.

ولايغرب عن الذهن هنا ، أن الصباغ  كان ينشر هذه المحكيات مسلسلة  في جريدة (العلم) مع طلة كل جمعة.

ولم لا نذهب بعيدا فنقول ، إن هذه المحكيات "قصص قصيرة" يأخذ بعضها بنواصي البعض ! 

لعل (الطفولة الستون) هي جماع كل ذلك، ولعلها أبعد من ذلك.

ولعل من المفيد هنا أيضا ، أن نستمع إلى رأي الكاتب في الموضوع يقول في الصفحة 836  ، المقطع 467، من الجزء الثالث (الطفولة الستون) :

رحابة تسعة أعوام  ونيف ، تنتهي في حدود يوم الجمعة هذا، وأنت أيها "الفتى" يامؤلفي،  تذيع في كل جمعة من كل أسبوع مذكراتك في جريدة (العلم) ، حلقات حلقات، موشحة باسم (الطفولة الستون) الذي جعلته عنوانا لكتابك بعد عنوانك الجانبي "الجمعة الخضراء".

حريصا كنت على اقتناء مرويات سيرتك الشخصية، فتتبعتها بمرصد إصغائي، وجميل عنايتي، دون أن تفوتني منها ولا قلامة كلمة، وأثناء ذلك ، كنت أسجل كل ما عن لي من ملاحظات ، ومؤاخذات، وتجاوزات، عرفتها عنك معرفة خبيرة، عريقة، موصوفة، معايشة حميمة معك طوال ماسلف من حياتك الطفولية الستينية.

وهكذا نقرأ في هذا النص، توصيفات وتحديدات من قبيل "مذكرات" و"مرويات" و"سيرة شخصية"..مما يدل على أن الكاتب لم يركن إلى توصيف محدد يشفي منه الغليل، وإن مهر عمله بمصطلح "رواية" ! ، علما بأن الرواية هي ملتقى الأنواع الأدبية وورشها المفتوح.

ومهما يكن من أمرسنكون قساة وغلاة مع الصباغ، إن نحن "اعتقلنا" طفولته الستين في خانة أدبية محدد ومقيدة لاتند عنها. فهي كتابة طلقة ومشرعة على حقول وضفاف إبداعية ممرعة على الغرار الأسلوبي المعروف والمتميز لمحمد الصباغ. 

لكن السرد هنا يبقى سيد الوقف، ولحمة وسد هذه الخريدة الصباغية الفاتنة، ومن هنا أهميتها وجدتها ومتعتها.

إنها عقد قران جميل ، بين لغة الصباغ المجنحة الأثيرة ، والمحكي الواقعي الملموس والمحسوس.

وإنها سياحة تاريخية ووجدانية رائعة في مدينة تطوان ، متمسحة بزوياها وأركانها ، ومتسللة إلى بيوتها وماوراء جدرانها، ونابشة في ذاكرتها ودفائنها، ومتقرية لعوائد وأسرار أهلها وأناسها. 

إنها "تطوان تحكي" من جديد عند الصباغ، لكن بسخاء إبداعي فياض هذه المرة، لايترك شاذة أو فاذة تطوانية إلا أحصاها، مما يجعل من (الطفولة الستون)، "ملحمة" تطوانية بامتياز مطرزة بريشة إبداعية عاشقة لمدينة تطوان.

وإذا كان العلامة محمد داود، قد غاص في ماضي تطوان وتاريخها الأثيل ، من خلال  مؤلفه الشهير (موجز تاريخ تطوان)، فإن الأديب محمد الصباغ قد غاص في حاضر تطوان، ورصد بشفافية ورهافة وحصافة ، مظاهر تحولها وانخراطها في مناخ العصر، وأخذها بأسباب الحداثة مع صونها لقيم الأصالة والهوية.

وبقدر ماكان الصباغ يكتب سيرته الخاصة في (الطفولة الستون)، كان في الآن ذاته ، يكتب سيرة تطوان، ويخط بمداد دافئ كتاب تطوان ، في حلتها العصرية الجديدة، وهو كتاب يعتبر بلا جدال، نسيج وحده في هذا الميدان. وكان للرباط ، نصيب مواز من الاهتمام في (الطفولة الستون) بعد تطوان، بحكم انتقال الكاتب إليها للاشتغال في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، في عهد الفقيد علال الفاسي

أبيه الروحي، ثم في وزارة الشؤون الثقافية، في عهد الفقيد الحاج محمد أبا حنيني.

ولاتخلو سيرة الرباط من محكيات شائقة وثرية، عن مجريات الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية في العاصمة، وطبيعة العلائق التي ربطت الكاتب ببعض رموز الثقافة والفكر والسياسة  بالمدينة. لكن هواه يظل دوما عالقا بحمامته البيضاء ومرتع طفولته وصباه، تطوان.

وإلى جنب تطوان والرباط اللتين استأثرتا بالقسم الأوفى من (الطفولة الستون) ، ثم نقلات ورحلات أيضا إلى إسبانيا ، ورصد آخر لعلائق أخر، مع بعض الأدباء والأديبات الإسبان، وغوص آخر في المرجعية الثقافية الإسبانية والغربية للكاتب، بعد أن غاص كفاية في مرجعيته الثقافية العربية، وبخاصة منها المرجعية المهجرية

كل هذا يترقرق سردا – سيريا شائقا، ونثرا – شعريا رائقا، عبر صحائف (الطفولة الستون)، جامعة بذلك بين المتعة والفائدة، جمعتها السيرة والرواية ، والذات والتاريخ.

وليست (الطفولة الستون) لذلك ، هي طفولة الصباغ حصرا وحكرا ، بل هي طفولة ستونية لحقبة جميلة و حفيلة من تاريخ المغرب الحديث، ولمدينة تطوان بخاصة، التي وجدت في يراعة محمد الصباغ مرآتها المجلوة وعرسها الإبداعي وصدى سنينها الحاكي.

فإلى تطوان، وسليل تطوان، باقة روح ريحان.

No ratings yet - be the first to rate this.

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.

التعديل الأخير تم: 11/01/2016