هل يمكن للمدرسة أن تكون ديمقراطية في مجتمع غير ديمقراطي؟

المدرسة ديمقراطية

هل يمكن للمدرسة أن تكون ديمقراطية في مجتمع غير ديمقراطي؟


د علي أسعد وطفة


 دراسة


  رابط  المعاينة


المصدر


إزاء مظاهر العنف المرعب، والكوارث الدموية، التي تشهدها المدرسة في مختلف أنحاء العالم المعاصر تطرح المسألة التربوية نفسها موضوعاً للبحث والمناقشة في خضم التحديات الكبرى التي يواجهها العصر الذي نعيش فيه. فمما لاشك فيه أن ظاهرة العنف التربوي تستحق مزيداً من المحاولات العلمية والبحثية التي يمكنها أن تحدد لنا طبيعة هذه الظاهرة وخلفياتها الفكرية والمجتمعية. وفي إطار البحث عن خلفيات هذه الظاهرة يجري التركيز اليوم على مسألة اللا مساواة الاجتماعية دورها الكبير في إحداث الخلل وتغييب الأمن المدرسي بصورته المعنية.‏

ومن أجل أن نضع إشكالية العنف التربوي في سياقها المجتمعي يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الخيارات التربوية لا تأخذ طابعاً حيادياً، لأن الخيارات القائمة في التربية هي خيارات سياسية في أغلبها. وبالتالي فإن هذه الخيارات تتحدد وترتسم هويتها في طبيعة التجاوب التربوي مع الغاية الإنسانية للتعليم والتربية. فالسؤال الكبير الذي يطرح نفسه بقوة عبر تاريخ التربية هو: ماذا ننتظر من التعليم وما غايته؟ وبالطبع فإن الإجابة عن هذا السؤال الوجودي للتربية تتحدد بمتغيرات عديدة، وتتنوع بتنوع الوضعيات الاجتماعية والفكرية. فالإجابة التي تُعطى لهذا السؤال ترتسم بمنظومة من العوامل الذاتية التي تتعلق بالدور والموقع الذي يشغله الفرد في دائرة الحياة الاجتماعية، وتتحدد في ضوء التجارب التي يعايشها وتتأثر بالانطباعات الشخصية التي ترتسم في وجدانه، وبالحاجات الأساسية التي يمكن للتعليم أن يفي بها عبر دورته التربوية. وهنا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً العوامل المجتمعية التي تتعلق بالانتماء الاجتماعي والجنس والعرق والقومية والطبقة الاجتماعية واللغة ومكان الإقامة والسكن. وغالباً ما يركز الباحثون، في مجال العلوم الإنسانية، على أهمية العامل الطبقي بين مختلف العوامل المجتمعية الأخرى، وذلك لأن الطبقة الاجتماعية، كما يجري الاعتقاد، تلعب دوراً محورياً في عملية الخيار التربوي، وفي ترسيم الإجابة عن السؤال المركزي الذي يُطرح حول وظيفة التربية وغاياتها الكبرى.‏


فالطبقات التي تهيمن وتسود في الساحة الاجتماعية تنظر إلى الغايات التربوية من منظورها الطبقي وفقاً لمصالحها الاجتماعية، حيث ترى أن التربية يجب أن توظف في المحافظة على الأوضاع القائمة للحياة الاجتماعية، لأن هذه الأوضاع تجسد الأبعاد الاجتماعية لحياة الطبقات السائدة في المجتمع، وهكذا فإن التعليم يوجه توجيهاً طبقياً لخدمة مصالح هذه الطبقة التي تهيمن أو تلك التي تسود(1). فالتعليم الإلزامي على سبيل المثال يشكل أداة هذه الطبقة في عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج الثقافي والاجتماعي، وتأسيساً على هذا المنظور الطبقي يمكن تحديد ثلاثة أسباب لأهمية هذا التعليم في منظور الطبقة البرجوازية :


-إنه يشكل أداة تنشئة اجتماعية حيوية في المجتمع حيث يتعلم الناس كيف يعيشون ويتمثلون القيم الاجتماعية الضرورية للحياة والاستمرار في مجتمع محدد(2).‏


- يشكل أداة الطبقة السائدة في تأصيل أيديولوجيتها والقيم السياسية التي تعمل على تأصيلها وتعززيها وهذا ما يؤكده علماء الاجتماع النقديون مثل بورديو وبودون وفرايري وغيرهم كثير.‏


- يوظف التعليم في بناء رأس المال الإنساني أي اليد العاملة الماهرة القادرة على تلبية احتياجات المجتمع والدولة.‏


هذه الحاجات  الثلاثة تأخذ طابع الضرورة في المجتمع الرأسمالي ولا يمكن لأي مجتمع رأسمالي أن يتخلى عنها. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الدولة أو النظام التعليمي يؤدي دوره الطبقي كما يجب في عملية التنشئة الاجتماعية.‏


ومع الأهمية الكبيرة للتعليم الإلزامي من وجهة نظر رأسمالية، فإن هذا التعليم ينطوي على بعض المخاطر الأيديولوجية، فهناك ثمة مخاطر قد تنجم عنه كما يتبدى الأمر بالنسبة للطبقة السائدة. فالتعليم الجيد قد يجعل العمل أكثر وعياً بحقوقهم ومتطلبات وجودهم، وأكثر ميلاً للتمرد والتظاهر والإضراب عن العمل وغير ذلك من الفعاليات الديمقراطية التي تفرض نفسها في العالم الديمقراطي. فالمجتمع الذي تكثر فيه حشود المتعلمين والمثقفين قد يواجه خللاً في عملية التقسيم الاجتماعي للعمل، كما قد يؤدي ذلك إلى إعادة بناء العمل وفق وضعية جديدة من التقسيم الذي لا يناسب بالضرورة مصالح الطبقة الاجتماعية التي تسود وتهيمن. وهذا يعني في نهاية الأمر أن التعليم الأساسي لأبناء المجتمع، وتطوير هذا التعليم بشكل كبير يؤدي، في منظور الطبقة البرجوازية، إلى منافسة جديدة وخطرة بين أبناء الطبقة السائدة وأبناء الطبقة المسودة. وهذا يشكل أحد العوامل الأساسية غير المعلنة عند الأغنياء في اختيار مدارس خاصة ومميزة. ومن هذا المنطلق فإن الطبقة البرجوازية تعمل على أن تقدم للشعب تعليماً أساسياً وإلزامياً لا يتجاوز الحدود الدنيا للوظائف الأساسية المتعلقة بإعادة الإنتاج الاجتماعي الضروري لحياة الطبقة البرجوازية نفسها. وهذه الوضعية نفسها تلعب من الجانب الآخر مكاناً تتحول فيه المدرسة إلى مكان للصراع الطبقي.‏


لننظر الآن إلى المدرسة ووظيفتها من وجهة نظر الطبقات الاجتماعية الدنيا التي تشكل موضوع استغلال الطبقة البرجوازية. فأبناء هذه الطبقة يجدون أنفسهم غالباً مبكراً في سوق العمل وفي سوق البطالة أوفي مجال الأعمال الصعبة الشاقة. والسؤال التربوي الذي يطرح نفسه هنا قد يبدو مختلفاً عن هذا الذي يطرحه البرجوازيون.فالطبقة البرجوازية تطرح السؤال التالي: كيف نحافظ على النظام التربوي والاجتماعي القائم؟.. وعلى خلاف ذلك فإن الطبقات العمالية والفقيرة تطرح السؤال بطريقة أخرى: كيف نغير النظام القائم؟ وما القيم التربوية التي يجب أن تبث وتعلم في المدرسة؟ ولمن تبث هذه القيم وتعلم؟ وكيف يمكن تغيير هذه القيم من أجل تغيير النظام التربوي برمته؟.‏


وبين الاتجاهين والرؤيتين المختلفتين للنظام التربوي تصبح المسألة التربوية أكثر تعقيداً وصعوبة ويأخذ الصراع التربوي إلى أكثر مراحله ضراوة وشدة. والصراع في هذه الحالة يأخذ صورته السياسية في مواجهة النظام الرأسمالي المعقد الذي ينطوي على عناصر ثقافية واقتصادية وأيديولوجية معقدة في تكاملها وتفاعلها ووظائفها أيضاً.‏


إن بناء مجتمع جديد يتطلب بالضرورة بناء إنسان جديد، إنسان يمتلك ثقافة نقدية عالية ويحظى بالقدرة على المشاركة الحية في مجال الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية، إنسان يرفع من شأن المصالح العامة ويفضلها على المصالح الخاصة من أجل بناء مجتمع يضمن مصالح الجميع في مصلحة المجتمع.‏


وإلى جانب هذا السؤال الجوهري هناك آخر لا يقل أهمية عنه: ما المعلومات والمعارف والعلوم التي نحتاجها تربوياً للاستمرار في الوجود والمحافظة على العمل ضمن النظام الاجتماعي القائم؟ هذا هو السؤال الذي تطرحه الطبقة البرجوازية للمحافظة على وجودها وامتيازاتها وهذا ما يجعلها أكثر إيماناً بأهمية التطبيع الأيديولوجي لأبناء العمال وتزويد المجتمع بحاجته إلى اليد العاملة والكفاءات المهنية المؤهلة علمياً.‏
وإذا كانت المدرسة في واقع الأمر تستطيع من حيث المبدأ أن توفر هذه الاحتياجات فهل يمكن أن نطلق عليها تسمية المدرسة الديمقراطية؟ وهل يمكننا فعلاً أن نتحدث عن مدرسة ديمقراطية في مجتمع برجوازي؟ هل تستطيع هذه المدرسة أن تعزز النضال ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم في المجتمع نفسه؟ إن طرح هذه الأسئلة الإشكالية لا يعني بأي حال من الأحوال الإحاطة بالإشكاليات المقعدة التي تتعلق بمسألة الديمقراطية والتربية في المجتمع.‏


فالبرجوازية لا يمكنها في أي حال من الأحوال أن تقوم بتطبيع أفراد المجتمع وترويضهم أيديولوجياً وإعدادهم مهنياً من غير نظام تربوي محدد يستطيع أداء هذه الوظائف وتلبية هذه الاحتياجات البرجوازية المتنامية. فالبرجوازية عندما تستطيع أن تبني طبقة عمالية مدجنة أيديولوجياً فإنها تستطيع أن تؤصل لرأس المال وتنميه، ولكنها عندما تثقف هذه الطبقة العمالية بثقافة نقدية متقدمة فإنها تحفر قبرها بيدها كما يعتقد كارل ماركس. وفي مواجهة هذا التحدي فإن البرجوازية تفعل شيئاً أفضل وذلك عندما تقوم بإعادة إنتاج قوة العمل عن طريق التربية ذاتها حيث تؤكد على ضرورة تأصيل الإيديولوجية البرجوازية بكل ما تنطوي عليه من قيم وتصورات وشرعنتها، ويتم لها ذلك عندما تعمل على تعليم أطفال العمال القراءة والكتابة، وتؤصل فيهم حب الوطن واحترام القيم الديمقراطية البرجوازية. وهي في هذه الدورة الدموية للتربية تؤهل أطفال العمال وغيرهم بالكفاءات والقدرات والإمكانيات والمهارات التي تجعلهم أكثر قدرة على العمل والإنتاج والفعالية الاقتصادية. إنها تعلم الأطفال العلوم من أجل بناء عقلية عقلانية ومادية تجعلهم أكثر قدرة على التفاعل مع التكنولوجيا الحديثة في مجال الاتصال والمعلوماتية. وهي في هذا التوجه أيضاً تفعل فعلها من أجل تكوين الإنسان المنتج والمستهلك بامتياز، لأن ذلك يسهم في تسريع دورة الحياة الاقتصادية الرأسمالية ويغنيها. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن المدرسة الديمقراطية في مجتمع رأسمالي تحمل في ذاتها تناقضات صارخة في حقيقة الأمر، وهذا يعني في النهاية أن المدرسة الديمقراطية هي مدرسة رأسمالية في جوهرها وفي تكوينها.‏


إن عملية تغيير المدرسة تتعلق بعملية تغيير المعارف والمضامين المعرفية فيها. فالمدرسة الحالية-حتى في مستويات التعليم الأساسي لا تقدم لجميع أطفال الفئات الشعبية، معارف ومضامين معرفية متكافئة مع غيرهم من أطفال النخبة والصفوة. وبالتالي فإن المعارف والعلوم الأساسية التي تدرس لأبناء الطبقات الشعبية والضرورية لحياتهم واستمرارهم الطبيعي غير كافية أو مواتية. فالأطفال لا يتعلمون شيئاً يذكر أو ذا أهمية فيما يتعلق بالحقوق والقوانين الاجتماعية، أو بالأمن الاقتصادي، أو بقواعد الصحة العامة، أو بالتقانة والتكنولوجيا التي يحتاجها الفرد في حياته اليومية. في هذه المدرسة أي في المدرسة البرجوازية لا يتعلم الطفل قواعد المرور وإشارات المرور التي تعد ضرورية في مجال الحياة اليومية والاجتماعية. والحالة ليست أفضل فيما يتعلق بالعلوم النبيلة مثل الرياضيات والفيزياء وغيرها وهي العلوم التي تجعلنا أكثر قدرة على فهم الحياة بأشمل معانيها وأصدق تجلياتها(3).‏


ومن المدهش أن المعارف العلمية التي تتعلق بالتكنولوجيا تكون غائبة كلياً في كثير من الفروع العلمية، وهي غير كافية في كثير من الفروع التي تأخذ طابعاً علمياً. وهذا يعني أن التعليم العام يفعل فعله في تأكيد الأمية التكنولوجية وليس أكثر من ذلك أبداً. علماً بأن هذه المعارف أصبحت ضرورية اليوم في فهم الأسس العلمية والمادية للبنية التحتية للمجتمع على نحو كلي. ومثل هذه العلوم تمكن الناشئة من امتلاك عقلية علمية وعقلانية تتصل بالحقيقة. وهي ضرورية أيضاً من أجل فهم الرهانات السياسية التي ترتبط بالعلوم والتكنولوجيا (البيئة، العقلية، ووجهات النظر، والمسائل الأخلاقية).‏
وهذا الضعف في التكوين البنيوي للمواد العلمية ينسحب أيضاً على المواد والمقررات في مجال العلوم الإنسانية (التاريخ والجغرافية والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس). فكم هو عدد الطلاب الذين يتخرجون من المدرسة وهم لا يعرفون إلا قليلاً جداً عن تاريخ بلادهم، ولا يعرفون إلا ما ندر عن المشكلات الكبرى التي تواجه المجتمع الذي يعيشون فيه: اللا مساواة بين الشمال والجنوب، الاستغلال والاستثمار، عدم الاستقرار الاقتصادي، البطالة، مشكلات المياه، التصحر، الهجرة، الفقر،...الخ.‏


فالطلاب الذين يفرض عليهم متابعة دراستهم في الفروع المهنية والتطبيقية يحرمون بطبيعة الحال من الحصول على التعليم المطلوب في الرياضيات والمنطق والمعلوماتية، علماً بأن هذه المعلومات ضرورية جداً من أجل الحياة ومن أجل الوصول إلى معرفة علمية أكثر نجاعة وفعالية في الحياة. وعلى خلاف ذلك فإن الوصول إلى أفضل المعارف وأهمها يبقى حكراً على الطلاب الذين يتابعون دراستهم في الفروع النبيلة أي هذه التي تخصص. وباختصار هناك منظومة من الممارسات الاصطفائية في المستوى المعرفي تؤدي إلى حرمان الأكثرية من المعرفة العلمية الضرورية للحياة وهناك نخبة تحظى بأفضل تعليم وأفضل معرفة علمية.‏


يمكننا عبر ممارساتنا التربوية وخياراتنا المتعلقة بوظيفة المدرسة أن نحدد القيم التي تواجه عملية استخدام المعرفة العلمية المكتسبة في المدرسة وتوجيه مسارها في عملية البناء الحضاري للمجتمع. بعض هذه القيم سبق للبرجوازية الموافقة عليه وإقراره ولاسيما القيم التي تؤكد مصالحها على المدى البعيد أو هذه التي تؤكدها على نحو آني وفوري. وهذه القيم المنتظرة هي قيم التضامن واحترام الفردية والقيم الليبرالية والتعاون والتعددية والعالمية والعمل واحترام النظام والفضول العلمي.‏


وترتبط مسألة ديمقراطية التعليم بمسألة القيم؛ فالمضامين المعرفية التي يتم بثها في المدرسة ليست واحدة بالنسبة إلى جميع الفروع العلمية. وهنا يجب إزكاء النضال ضد كل أشكال التعليم الهرمي الطبقي الذي يعزز الفروق الاجتماعية التربوية ويؤكدها. فالتعليم الثانوي اليوم ليس واحداً بالنسبة للجميع وكذلك هو الحال بالنسبة للتعليم العالي الذي يوزع الطلاب في فروع متباينة الحال في وضعيتها الاقتصادية الاجتماعية.‏


إن انقسام النظام التعليمي إلى تعليم عام ومهني وفني وأدبي وعلمي يؤكد عملية اصطفاء مبكرة اجتماعية وتربوية تقوم على الأصول الاجتماعية للطلاب والمتعلمين. وهذا التعليم يعزز ومنذ البداية فكرة أيديولوجية قوامها أن الطلاب لا يستطيعون جميعهم متابعة الدراسة في اتجاه تعليمي واحد، وأنهم لا يستطيعون الوصول جميعهم إلى مستوى واحد من التحصيل العلمي. وهذا الأمر يؤكد فكرة اللا مساواة بل يعززها ويمنهج لها لتنطلق كفكرة أولى يؤمن بها الطلاب أولاً ثم تصبح فكرة أساسية تتنامى بسرعة كبيرة وتتمركز في العقل كي تولد قناعات راسخة بمسألة التفاوت واللا مساواة بين الطلاب بصورة عامة. وغني عن البيان أن هذا التفاوت بين المضامين التعليمية والتربوية وفقاً للفروع والاختصاصات العلمية والتعليمية يؤدي في نهاية الأمر إلى تعزيز الفروق الاجتماعية والطبقية بين الطلاب.‏


إن تعدد مسالك التعليم وفروعه (أدبي، علمي، صناعي، فني، تجاري، شرعي) يقدم على أنه تعدد قائم على حرية الاختيار "اختيار التلاميذ والآباء". ولكن هذا التعدد يأخذ في واقع الأمر صورة إكراه تربوي واجتماعي في الآن الواحد. فالآباء والأبناء يجدون أنفسهم أمام خيار تربوي لا يفهمون أبعاده ومراميه. ولكن الآباء من الطبقة البرجوازية سرعان ما يدركون طبيعة هذا الخيار ولذا فإنهم يختارون الفروع العلمية لأبنائهم في ضوء وعيهم بطبيعة اللعبة الأيديولوجية القائمة في المجتمع.‏


وفي مستوى الممارسة العملية فإن التعليم ليس واحداً بالنسبة لجميع الأطفال، وهو لا يقدم لهم على مبدأ التكافؤ الإمكانيات الواحدة المتجانسة الضرورية لنمائهم وتطورهم. في بعض التجارب والممارسات التي يقال عنها تقليدية يرفع شعار العلم للعلم، وهو شعار إذ يؤكد في جوهره على رمزية الانتماء الاجتماعي فإنه في صورته هذه ينفصل عن وظيفته الأداتية. ومما لاشك فيه أن هذا الشعار يؤكد نوعاً من الهيمنة الطبقية البرجوازية تحت عنوان العلم والمعرفة العلمية. وهذا التعليم يحبط أبناء الفئات الفقيرة لأن أبناء هذه الفئات غالباً ما يطلبون العلم من أجل تحقيق أهدافهم وغاياتهم العملية والحياتية.‏


وعلى خلاف هذه الممارسات التربوية فإن التجارب الحديثة أو التي يقال عنها حداثية تهمل أهمية العمل المنظم والتدريب المهني والدقة العلمية. وهي في إهمالها هذا لا تصل إلى حدّ ازدراء المعرفة بحد ذاتها تحت شعار النسبية حيناً والحرية حيناً آخر في التربية والتعليم.‏
وفي كلتا الحالتين فإن ما يحكم ليس المنهج العلمي والتربوي الذي يتميز بالتؤدة والرصانة لا بل هي فلسفات تربوية وعقائدية تفرض نفسها في مجال التربية والتعليم. وليس معيباً أبداً في التربية أن يحاط الطفل بمناهج وطرائق مختلفة جداً في التعليم. فالبرغماتية التربوية لا تعطي ثماراً تربوية حقيقية في كثير من جوانبها. فجميع التجارب التربوية التي ظهرت في العقود الأخيرة من القرن العشرين تبين استحالة الإقرار بوجود منهج يمكن تعميمه على مختلف الأنظمة التربوية، حيث تؤكد هذه التجارب أيضاً بأن النموذج الواحد يؤدي إلى الضجر والقلق والروتين وإلى السلبية في التعليم.‏
ومهما تكن المناهج المعتمدة في عملية التعليم فهناك حاجة كبيرة إلى الوسائل التي يمكنها أن تجعل التعليم أكثر تفرداً ولاسيما في مستوى التربية والتعليم عند الأطفال. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأطفال الذين يحققون نجاحاً كبيراً هم هؤلاء الذين يجدون في منازلهم وبيوتهم ما لا توفره المدرسة لهم، ففي بعض الفئات العليا في الترتيب الاجتماعي يجد الطفل في منزله التشجيع على المتابعة، ويحاط بمختلف شروط التعزيز والنجاح، ويلقى كل المساندة الممكنة نفسياً واجتماعياً ومادياً. وهذا الأمر يطرح بوضوح مسألة عدم كفاية الإعداد المهني للمعلمين، كما يطرح مسألة الوسائل التي يمكنها أن تحيط الطفل بالشروط الضرورية للعمل والنجاح في المدرسة.‏


إن الخوف من الفشل والإخفاق المدرسي، الضغط النفسي المستمر، الخوف من الرسوب، الإيقاع المدرسي الرتيب وغير الإنساني، الشروط المادية والفيزيائية التي لا تحتمل، الإكراهات والضغوط الأخلاقية للحياة في المؤسسات التربوية، الإزعاج والضجر، إزعاجات النظام التربوي، غياب العدالة التربوية، كل هذه العوامل السلبية في الحياة التربوية ليست قدراً محتماً لا يمكن تفاديه، كما إنها ليست مبررة أو مشروعة في أي حال من الأحوال، ولاسيما في مدارس القرن الحادي والعشرين. ويضاف إلى ذلك كله مظاهر العنف والعدوانية التي تسود وتهيمن في قلب هذه المؤسسات التربوية. ولا غرو في ذلك فكثير من المعلمين والمدرسين والطلاب يذهبون ضحية لهذا العنف الذي لا يتوقف في كثير من المدارس في مختلف أنحاء العالم.‏


والسؤال الآن: كيف يمكن لنا مواجهة هذه التحديات المرعبة المتأصلة في عمق حياتنا التربوية؟ هل عدمنا حقاً الوسائل الممكنة التي تدفع عن أطفالنا وفلذات أكبادنا هذا القهر التربوي الذي يجتث حياتهم ويدمر طموحاتهم؟..‏
فالمدرسة الديمقراطية في مواجهة هذه الوضعية تفرض نوعاً من الإجراءات الطموحة التي تمثل رفضاً لجميع الشروط السلبية التي نوهنا إليها أعلاه، فالمدرسة الديمقراطية تعمل على تطوير المنظومات القيمية التربوية، وهي تعمل على تطوير مجموعة جديدة من الشروط الديمقراطية للحياة التربوية في المدرسة ومنها: رفع مستوى ومضامين البرامج التعليمية، وبناء أنظمة جديدة تتمثل في إطالة الدوام المدرسي، وتغيير إيقاعات الحياة التربوية في اتجاهات جديدة تضمن للأطفال والمتعلمين مشاعر إنسانية مفعمة بالحياة والانطلاق، ثم تنويع أساليب العمل والحياة في المدرسة.‏
فشعار "المدرسة للحياة ومن أجل الحياة" شعار قديم تجاوزه الزمن. والشعار الديمقراطي الجديد الذي يطرح نفسه بقوة يتمثل في القول بأن "المدرسة حياة". وهذا الشعار لا يفصل بين المدرسة والحياة ويتجاوز حدود الشعارات التربوية الأخرى التي ربطت بين التربية والحياة ربطاً أدائياً وظيفياً. فالمدرسة ليست أداة ووسيلة من أجل الحياة بل هي الحياة عينها.‏


ومما لا شك فيه تتجه الضرورة الحضارية اليوم في تحقيق التكامل الكلي بين المدرسة والحياة. فالمدرسة تعبر في حقيقتها عن حياة لجماعة إنسانية متفاعلة متكاملة في الوجود والمصير، إنها مكان التفاعل بين الأطفال ومكان التعليم وبيئة الحياة التي تلتحم فيها كل العناصر الأساسية للوجود وللحياة. فالطفل في مدرسة اليوم يشارك في مختلف الفعاليات الحياتية والتربوية. والمدرسة في هذا السياق تشكل إطاراً للحياة اليومية للطفل بكل معطيات هذه الكلمة ودلالاتها. فالمدرسة مكان نتفاعل فيه وجدانياً وأخلاقياً وإنسانياً مع الآخر، إنها مكان للنجاح والتحدي والفشل. مكان للغضب والسرور والحبور والألم، مكان يغتني بالتجربة الإنسانية ويفيض فيها. وهنا في هذه المدرسة يوجد اتجاه ديمقراطي يؤكد على أهمية الربط بين المعرفة والعمل. وهنا تتضح هذه العلاقة الجوهرية بين التربية والحياة عبر العلاقة الصميمية بين التربية والحياة والعمل المدرسي بوصفه صيرورة حياتية.‏
فالمدرسة الديمقراطية تتميز بانفتاحها على الحياة عبر نشاطات منظمة وفعاليات هادفة، وهذا يمتد ليشمل عطل نهاية الأسبوع والعطل الانتصافية والعطل الصيفية. وهنا في هذه العطل يعلم الطفل حتى على تناول وجباته باردة أحياناً وساخنة أحياناً أخرى، أن يتناول وجبات فقيرة شاحبة حيناً ووجبات غنية أحياناً أخرى. أن يتألم حيناً ويفرح حيناً آخر، أن يسقط أن يعاني أن يتحدى أن ينجح أن ينافس أن يحقق ذاته أن يفرد جناحيه ويطير عبر هذه التجارب التربوية التي تدفعه إلى الحياة عبر الحياة نفسها.‏


فالمدرسة الديمقراطية تمثل مركزاً للنشاطات الثقافية والرياضية والتدريبات العملية. وهذه العمليات قد لا توجد في داخل المدرسة نفسها ولكنها تنظم من قبلها وبإداراتها وتوجيهها. والمدرسة التي توجد في حي من الأحياء يمكنها إذ لم يتوجب عليها أن تشارك حيوياً وفعلياً في نشاطات الحي الثقافية والعلمية والإنسانية والرياضية والترفيهية وهذه المشاركات تمثل في جوهرها نسقاً من الممارسات والفعاليات الحياتية للمدرسة.‏
وفي دائرة هذه الفعاليات فإن المدرسة تتحول إلى مكان مركزي للحياة التربوية حيث يدخل الآباء أنفسهم في علاقات اجتماعية حيوية. ومن أجل تفعيل هذه العلاقات الاجتماعية بين ذوي الطلاب فإنهم مطالبون بقضاء يوم عطلة على الأقل في الشهر في الوسط المدرسي لأبنائهم. وهذا الحضور يكون مأجوراً من قبل المؤسسات التي يعملون فيها وبناء على طلب مسبق من المدرسة المعنية ذاتها. وغني عن البيان أن هذه الإجراءات وهذه الممارسات التربوية تمثل في جوهرها محاولة جادة إعادة النظر كلياً في دور وبنية التنظيمات التربوية. فالمعلمون والمتعلمون والمربون مطالبون وفقاً لهذه الرؤية الجديدة بالعمل الجماعي المنظم والفاعل في تحقيق الأهداف التربوية المنشودة.‏


وفي دائرة هذا التصور الجديد للعملية التربوية فإن التأكيد يجري على أهمية إنشاء تنظيمات حيث تقوم في كل مدرسة مجلس إدارة يتكون من المعلمين والمربين والإداريين والآباء وممثلين من الوزارة وذلك من أجل توجيه الحياة التربوية وفقاً للمشاريع المتجددة والغايات التربوية المرسومة. وهذه المجالس ليست معنية بإدارة الحياة اليومية للمدرسة وإنما هي معنية بعملية التبادل والتفكير والمناقشة العلمية حول أوضاع التربية والمدرسة والحياة. وعلى هذه الصورة فإن الحياة المدرسية مدعوة من أجل تحقيق أعلى درجة من التفاعل بين الآباء والمعلمين والتلاميذ. وعن طريق هذا المجلس يتم انتخاب أعضاء مجلس الإدارة ومدير المدرسة وممثليها من الآباء وذوي التلاميذ. وعلى هذا الأساس عندما ينتخب مدير المدرسة ومعاونوه فإنهم مطالبون بالعمل بما يضمن لهم شرف المهنة وشف تمثل الدور التربوي الذي عهد إليهم.‏


فالمدرسة تهدف إلى ضمان الحياة التربوية والتعليمية للجميع. ومن أجل هذه الغاية فإنها تعمل على تهيئة شروط العمل المناسبة لتحقيق هذه الغاية. وتتمثل هذه الشروط في المناهج الواضحة والكتب المدرسية والمواد التربوية المتميزة ومن ثم تحديد أعداد مناسبة في كل فصل من الفصول بحيث لا يتجاوز فيها عدد التلامذة عن عشرين تلميذاً في الفصل الواحد.‏
ومثل هذه المدرسة يجب أن تضمن في الوقت ذاته تربية متطورة لذوي الاحتياجات الخاصة والمعوقين. بحيث يتم العمل على تطوير تعليم هذه الفئات وتوفير مستلزماتها من دروس تقوية ودروس إضافية ومعلمين مؤهلين وكل مايلزم من أجل ضمان تعليم جيد ومكافئ لهذه الفئات الخاصة. وهذه المساعدات الخاصة يجب أن تتم منذ البداية كي لا تتراكم الصعوبات التي تعانيها هذه الفئات في عملية التعلم.‏
وهنا أيضاً يجب إحداث نوع من التغيير في مفهوم السنة المدرسية ويجب إسقاط مفهوم الرسوب المدرسي من قائمة الحياة التربوية بصورة كلية ودائمة. لأن مصير التلميذ يجب أن يرتهن بمصير جماعته التربوية وهي الجماعة التي يمارس من خلالها نشاطاته التربوية.‏
وبعيداً عن الوقوع في مساقط الدوغماتية التربوية، فإن هذه المدرسة تشجع التنوع والاختلاف في الممارسة التربوية من منطلق الحوافز التربوية. وهنا أيضاً يتوجب على التعليم أن يأخذ بعين الاعتبار أهمية التعليم المستمر والتعليم الذاتي وأن يؤكد القيم الحرة في مختلف اتجاهاته وفعالياته.‏
هذه المدرسة الحرة يجب أن تعتمد معلمين متطوعين أو راغبين في العمل وفقاً للمشروعات الحديثة في التربية وأن يتم استقطابهم وقبولهم وفقاً لاختبارات قبول خاصة. وهؤلاء المعلمون مطالبون أيضاً بتحسين وتعزيز قدراتهم بصورة مستمرة. وهؤلاء هم المعنيون في نهاية الأمر بتطوير هذا النوع من المدارس نحو الغاية المنشودة.‏


الهوامش:‏ 
1-انظر في هذا الخصوص أعمال بيير بورديو وسنيدر وبودون وإيلتش وباولو فرايري.‏
2-Regardez: NicoHirtis. Changer I'école pour changer le monde, Les cahier de I'école démocratique Belgique, Novembre, 2003.‏
(3)-انظر: علي وطفة، علي شهاب، علم الاجتماع المدرسي: بنيوية الظاهرة المدرسية ووظيفتها الاجتماعية، مكتبة الطالب الجامعي، الكويت2003، صص 177-197

 

No ratings yet - be the first to rate this.

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.

التعديل الأخير تم: 18/10/2015