التربية و السياسة، أية علاقة

التربية

التربية و السياسة، أية علاقة


شكيب عبد اللطيف


المصدر


تعرف الكتابات التربوية تضخما ملموسا في مقالات الرأي و بيانات المواقف و سجلات الدفاع و الدحض و الترافع غير أنها تعاني بالمقابل من نقص كبير في الكتابة التحليلية و النقدية العلمية، حيث تغلب الميول الذاتية على الفاعلين و خاصة السياسين منهم، إذ يميل كل طرف إلى تأويل الأحداث و الوقائع حسب ما يرى فيه من مصلحة التنظيم الذي ينتمي إليه، مع ما يرافق ذلك من سعي إلى إخفاء هذا العنصر أو ذلك، و على اعتبار احتكاكنا بهذا المجال و مواكباتنا اليومية له كباحثين في الديداكتيك و البيداغوجيا ضمن المرصد البحث في الديداكتيك والبيداغوجية الجامعية 'ORDIPU'، الكائن بجامعة الحسن الثاني، كلية العلوم ابن مسيك - الدار البيضاء الذي يديره الأستاذ الباحث محمد الطالبي، الذي نشكره بالمناسبة على مجهوداته، توخينا المساهمة بهذا المقال الصحفي و ذلك بهدف استيعاب أبعاد الشأن التربوي السياسي و مستجداته و تطوراته التي باتت متلاحقة بشكل متسارع يقتضي تحليل شمولي وواضح المعالم، و توفير المهتمين في المجال التربوي السياسي بمختلف المقاربات و الرأي و محاولة تجذير الوعي بأهمية البعد السياسي للتربية و بالتالي إبراز و توضيح العلاقة التربية بالسياسة،

و باعتبار إيماننا العميق بالتغلغل السياسي في التربوي، و خدمة هذا الأخير له بصورة ضمنية عبر المؤسسات التربية التعليمية، وكذلك عدم براءة التربية وحيادها، على أساس أن كل تربية هي خاضعة لتصور سياسي اجتماعي بل إنها الواقعة السياسية المهمة التي بواسطتها جيل اليوم يكون جيل الغد، و من ثمة فهي ليست مجرد تلقين معارف و معلومات بل هي كذلك وسيلة ناجعة لقولبة الفرد اجتماعيا و سياسيا، و هكذا و لطفا بالقارئ توخينا التركيز و الإيجاز ما أمكن مع الإشارة إلى بعض المصادر و المراجع حتى يتمكن القارئ من العودة إليها عند الاقتضاء أو طلبا لتفصيل أو النقد.

مقدمة:

موازاة مع تطور البشرية أي منذ العصور الحجرية السفلى إلى عصر المعلوميات و التكنولوجية و ما تلاها كانت و لازالت التربية عملية سياسية في المقام الأول من حيث أنها تهدف إلى تثبيت واقع ما، أو تغيير هذا الواقع. وكثير من الفلاسفة والمفكرين ورجال السياسة لا يقتنعون بعرض نظرياتهم السياسية بالخصوص إلا إذا اختتموها بتصور عما يجب أن يكون عليه نظام التعليم في ضوء ما تقوم عليه نظريتهم من أسس، وما ترنو إلى تحقيقه من أهداف، على اعتبار أن السياسة كما يعرفها الاختصاصيون هي فن الممكن أي فن القدرة على فرض ما هو ممكن في ميدان من ميادين الحياة الواسعة، و من بين ميادينها المفضلة، نجد مؤسسات تعليمية بحيث تستخدم بغية إحداث التغيير الاجتماعي أو الفكري المنشود، التي تحبذه تلك الفئة و من أمثلة البارزة التي توضح اليد الطويلة للسياسي في التربوي نستحضر توظيف المهاتما غاندي للتربية والتعليم من أجل التحرر والقضاء على الاستعمار البريطاني في الهند، ودعم الاتحاد الأوروبي حاليا لكثير من الأنشطة المرتبطة بمحو الأمية والتعليم عن بعد في كثير من دول حوض البحر الأبيض المتوسط بما فيها بعض الدول شمال إفريقيا المغرب نموذجا، تلقين كتاب الأخضر في عهد امعمر القدافي المقبور، تدريس كتاب الأحمر لموتستنغ في الصين وإطلاق الولايات المتحدة لمشروع الأمركة (Americanization Program) في أوائل القرن العشرين، لاستيعاب المهاجرين الجدد وإدماجهم وتثقيفهم بثقافة على مقاس قيمها ولغتها، و هلم جرا...

و هكذا تتضح أن التربية في كافة الأحوال ممارسة غير محايدة من المنظور السياسي، فهناك بعد عقائدي أو سياسي أو إيديولوجي إن شئتم يقف خلف كل تربية بغض النظر عن طبيعتها وخصوصيتها وغاياتها، إن راديكالية أو معتدلة أو دينية أو غير ذلك، سنركز في هذا المقال على أهم النظريات التي أنتجها علوم التربية و شتات المعرفة الاجتماعية السياسية ذات الصلة، وذلك لتعميق رؤيتنا اتجاه ظاهرة جدلية التربية و السياسة، و حدة التأثير السياسة على التربية، ومن بين النظريات التي تحاول الإجابة عن هذا سؤال ؟ نجد:
النظريات ذات المضمون التفاؤلي-الإيجابي: ترى في احتكاك السياسي بالتربوي من شأنه تسريع مشروع الإنعتاق و التحرر و العقلنة و التنوير و هو سوف يتضح من خلال التصور الإسلامي الذي يقدمه للتربية و كذا النظريتين التي سوف نتناولهم فيما بعد، و الجذير بالذكر بأن هاته النظريات بمعية التصور الإسلامي تلح على تكوين العديد من المثقفين والفنيين و التقنيين من "العوام" مؤهلين لممارسة الأدوار القيادية على حد تعبير محمد جسوس في كتابه طروحات حول الثقافة و اللغة و التعليم، منشورات الأحداث المغربية (ص:117) و ذلك لتطوير المجتمع ما حتى يتسنى له اللحاق بركاب الحضارة و التقدم و تحقيق التغيير المنشود و الوفاق الاجتماعي كقاعدة من قواعد المجتمع الديمقراطي الحر.

1) الرؤيا الإسلامية للتربية:

الإسلام كرسالة ربانية لم يأت بنظرية أو فلسفة تربوية للصغار أو للكبار بالمعنى الأكاديمي لهذين المفهومين، وإنما يمكن استجلاء وبلورة أفكار يمكن أن تشكل ملامح لرؤية وفلسفة عامة مستمدة من الشريعة الإسلامية ومقاصدها. فالدين الإسلامي الحنيف ليس مجرد دين وعبادة فحسب، إنما هو طريقة للحياة والتفكير والتعامل تجمع بين الدين والدنيا، والعلم والعمل، والمحافظة والانفتاح في إطار تعاليم ربانية محددة.

فالإسلام نظام شامل للحياة بأبعادها الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية. فمنذ انطلاقة الدعوة الإسلامية، أكد المعلم الأول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على أولوية القيم الإنسانية الحضارية العليا الداعية إلى الوحدة والمساواة والتضامن… فوحدة الخالق تنتج عنها وحدة إنسانية تتنافى معها كل ألوان التفرقة، لأن الخالق واحد ومحمد صلى الله عليه وسلم رسوله جاء لدعوة كل الناس. وهذه المبادئ مثلت الرؤية السياسية الحضارية التي مهدت لقيام الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ومن تم قيام الحضارة الإسلامية التي أنارت دروب الإنسانية علما وحضارة وثقافة، فما كان لهذه الحضارة أن تسود لولا وجود رؤية سياسية صائبة ومتماسكة تتحرك وفق توجيهات ربانية وقيم إنسانية راقية، ولقد وضع الإسلام طلب العلم والتعلم في مرتبة لم تسبقه إليه أمة أو حضارة حيث جعله فرضا على كل مسلم ومسلمة من المهد إلى اللحد. وفضَّل العالِم على الجاهل، وفرض على كل أسير متعلم من أسرى أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين عوضا عن دفع الفدية، وهذه الاستشهادات إن تدل فهي تدل على الرؤية الإسلامية لأهمية البعد السياسي التربوي في حياة الشعوب ومستقبلها إن صح التعبير.

2) النظربة التربية تصنع التغيير :

يرى أصحاب هذه النظرية أن التربية متمثلة بمضامينها ورؤاها وتوجهاتها قادرة على إعادة صياغة المجتمع. و أن التربية وحدها هي التي تمكن من قيام عصر جديد. ومن كبار الفلاسفة الذين تبنوا مثل هذا الموقف الفيلسوف الألماني " كانط " الذي يتوقع أن يؤدي الإعداد التربوي إلي مساعدة الإنسانية على التقدم عن طريق الاقتراب رويدا من طراز الوجود الذي تتيحه الفكرة السلمية عن الإنسان، والذي يفترض أن نعقد الآمال عليه. فالفلاسفة و مربون الكبار أمثال : ورسو، وأوري، والمربي السويسري فيريير، وروجرز(واضع بيذاغوجية الإدماج التي تبنتها وزارة التربية الوطنية)، ولوبرو يؤيدون بشدة قدرة المؤسسة التربوية على صنع التغيير المجتمعي وتوجيهه، ويرون أن إصلاح المؤسسات الاجتماعية ينبغي أن يمر من خلال إصلاح التربية، وهؤلاء جميعا في تحليل كتاباتهم يربطون بين المسألة التربوية و الاجتماعية والسياسية.

ويعد لوبرو (Lobrot) من أبرز وجوه التربية المؤسسية القائلة بالصلة بين التربية وتغيير المجتمع. يقول هذا المربي: " إن مجتمع الغد إما أن تصنعه المدرسة وإما لا يكون "، ذلك أن الثورة التربوية في عصرنا فيما يرى، شرط لازم لكل ثورة مهما يكن شأنها، وأي ثورة حقيقية طريقها هو تغيير الإنسان وليس مجرد القضاء على أعداء المدرسة. وهو يرفض العنف سبيلا إلى الثورة ويهزأ بتلك الفكرة الساذجة التي ترى أننا إذا أمسكنا بزمام السلطة، وصلنا لا محالة إلى تطوير المجتمع. ويصفها بأنها ضرب من الوهم البيروقراطي المحض.

وما هو أهم وأبقى في نظره، أن نقبل على العكس، الفكرة القائلة بأن تغيير الإنسان أهم من تغيير المجتمع أو بتعبير أدق أننا لا نستطيع أن نغير المجتمع إلا إذا غيرنا الإنسان، ومن هنا كانت إقامة شكل جديد من التربية أي شكل جديد من المدرسة أهم من تغيير النظام السياسي.

إذا كانت هذه الأطروحة ترتكز على دور" التربية" في التغيير الاجتماعي والسياسي و الثقافي بمعنى تغيير المجتمع برمته، فهناك أخرى تقر بأن دور"التربية" في التحولات السياسية هو تحقيق الوفاق الاجتماعي و هي تحذو حذو المجتمع بمعنى أنها تابعة للمجتمع، ومن بين النظريات التي حاولت ملامسة هذا الطرح، نجد نظرية التربية تابعة للمجتمع ودورها تحقيق الوفاق الاجتماعي.

3) النظرية التربية تابعة للمجتمع ودورها تحقيق الوفاق الاجتماعي :

ينظر أصحاب هذه النظرية إلى التربية بوصفها أداة المجتمع في تحقيق الوفاق الاجتماعي. وقد صاغ إميل دوركايم (E. Durkheim) هذه النظرية في كتابه " التربية وعلم الاجتماع " (Educational & Sociology, 1922). والتربية عنده مؤسسة اجتماعي عاملة من أجل تحقيق الاتفاق الاجتماعي (Social Consensus) ومن أجل التكامل الاجتماعي (Social Intégration)، وذلك من خلال تنشئة الأطفال على السجايا والشمائل الشخصية وأنماط السلوك المقبولة من لدن الجماعة التي ينتسبون إليها، وذلك أن المجتمع لا يستطيع البقاء إلا إذا تحققت بين أعضائه درجة كافية من التناظر والتجانس (Homogeneity)، و التربية هي التي تخلد هذا التجانس وتعززه عن طريق التشابهات الجوهرية التي تتطلبها الحياة الجماعية، من الأطفال منذ البداية.

إن تأكيد دوركايم على قضية الاتفاق أو الوفاق الاجتماعي يحيل إلى نظرية العقد الاجتماعي كأساس للرابطة الاجتماعية وإلى تسليم دوركايم بكون القانون تعبير عن الإرادة العامة وأن مسؤولية التربية هي توطيد هذين المبدأين كقاعديتين عامتين من قواعد المجتمع الديمقراطي الحر.

ووفق تصور دوركايم، فإن المدرسة مؤسسة محافظة دورها تابع للمجتمع ووظيفتها الأساسية تكييف الجيل الناشئ وفق التصورات المتفق بشأنها أو حتى المفروضة سلطويا. ويقر دوركايم بضرورة أن تتوافق التربية تماما مع تقسيمات المجتمع إلى طبقات، والإقرار بهذا الأمر كواقع ينبغي التعايش معه، وأن تتجاوب التربية لطبيعته. وبما أن المربي هو ممثل المجتمع وأنه يعمل باسم الدولة، فإنه يأخذ بصورة مشروعة في رأس دوركايم وضعا سلطويا تجاه الدارسين، ويذهب دوركايم بعيدا في تصوراته حيث يرى أن العلاقة بين المعلمين والدارسين لا تختلف عن العلاقة التي يقيمها المستعمرون مع المستعمَرين.

و يرى الكثيرين من المنتقدين لهذه النظرية بأنها تقف خلفها أهداف مضمرة مضمونها يتنافى مع قواعد اللعب الديمقراطي المبنية أساسا على الحرية و المساواة و المهام التنموية و متطلبات الشعوب العادل و المشروعة، و يهدف إلى ثبات و ديمومة الوضع السائد، و محاباة النخب الحاكمة و الصفوة.

النظريات ذات المضمون التيئيسي-السلبي: خلافا لما تقدمه النظريات السالفة، فهاته الأخيرة تقدم نسق متكامل و متجانس من المقولات المعرفية و الأخلاقية و القيمية، حيث ترى بأن جدلية التربوي السياسي في عملية التربية يتضح بشكل واضح في التنشئة الاجتماعية و ضبط الأحداث و استعمالها ضمن الأجهزة الإيديولوجية للدولة و للطبقات الحاكمة لترسيخ ديمومتها، ولإخفاء طابع العقلانية و الشرعية و الهيبة في كل ممارستها، و لتحويل اختياراتها و قناعتها الخاصة إلى ثقافة عامة و عارمة تكسح العقول و القلوب و الجوارح، و تفتح هاته النظريات إجراءات و نسق فكري لمحاصرة و لتحصين من هذه "البر وبكندا" الاستعلاء و الازدراء بالنسبة للهياكل الشعبية.

1) النظرية الضبط الاجتماعي:

تستمد هذه النظرية جذورها نسبيا من الفكر المرتبط بالضبط الاجتماعي الذي تمارسه المؤسسات التربوية من منطلقات إيديولوجية أو ثقافية أو عقائدية أو سياسية نخبوية، أو حتى فكر علماني ذي موقف. وبما أن الأمر كذلك، فيستدعي الأمر في الإطار النظري أن نلقي بعض الضوء على نظرية الضبط الاجتماعي، حتى يتسنى لنا فهم آلية توظيف المؤسسة كآلية لتثبيت ميكانزمات الضبط الاجتماعي من دين وإيديولوجيا وعرف وثقافة و هوية.

ورغم تعدد الزوايا التي يمكن أن يعرف بها مفهوم الضبط الاجتماعي، إلا أنه يتضمن كل مظهر من مظاهر ممارسة المجتمع للسيطرة على سلوك الناس لتجعلهم متكيفين مع ما اصطلحت عليه الجماعة من قواعد وقوالب للتفكير والعمل، ويتضمن هذا المعنى توجيها مقصودا معينا يرتكز على عمليات بحث واستقصاء ودراسة موضوعية وتحليلية وعلمية للأمور والظروف والملابسات التي لها مساس مباشر بالوضع الاجتماعي القائم، كذلك يتضمن فكرة العمل ووضع التصميم الاجتماعي اللازم لتكييف جوانب معينة من النظام متى حدثت في بعض أجزائه تطورات أو تغيرات غير مألوفة لديه، سواء كانت في شكل انقلابات اجتماعية أو أزمات اقتصادية. ويمكن تناول أساليب الضبط الاجتماعي باعتبارها الأدوات التي تستميل بها مجموعة ما أعضاءها أو غيرها من المجموعات أو تجبرهم بواسطتها على إتباع معاييرها وأساليبها السلوكية، وتستخدم تلك الأساليب لتحقيق أهداف معينة للضبط الاجتماعي تتفق مع مصالح الجماعة أو الطبقة المسيطرة، ويشتق من هذه الأهداف مجموعة من الأساليب وأنماط من الوسائط تحقق في النهاية أهداف هذا الضبط، ويستهدف هذا الضبط تحقيق الامتثال أو المسايرة وبالتالي حفظ النظام والاستقرار، ونظرة فاحصة على الإجراءات المتبعة في مجالات الرقابة والإشراف والتوجيه والتحكم والسيطرة والقهر والإلزام، ففي المؤسسة التعليمية أو غيرها، تبين لنا طبيعة الضبط الاجتماعي المراد تحقيقه.

وبشكل عام، تنقسم أساليب الضبط الاجتماعي إلى نوعين أساسيين هما : الأساليب المادية، والأساليب المعنوية، فالضرب الجسدي والقهر الفيزيقي المشروع وغير المشروع، والقهر الاقتصادي المشروع وغير المشروع، تعد شكلا من أشكال الضبط الاجتماعي المادي، أما الأساليب المعنوية للضبط الاجتماعي، فتشمل أساليب مثل الإيديولوجيا والدعاية والتجاهل والتشهير والوصمة والسخرية، والمدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعية تستثمر دائما كآلية فاعلة من آليات الضبط الاجتماعي لتحقيق الاستقرار المنشود، ولتشكيل رأي منتسبيها وفق تصورات النخب أو الطبقات الحاكمة، ولعل التوجيه الإيديولوجي، والتنشئة الاجتماعية المقصودة، وتشكيل أنماط الرأي العام المقبول، و خلق أفراد مطواعة قناعاتيا و مواقفيا وتكريس القيم والأفكار والمعتقدات المطلوبة، من أهم الأساليب التي استخدمتها المؤسسات التعليمية عبر التاريخ لتحقيق الضبط الاجتماعي، إذ يمثل الدين والعادات والتقاليد و الأعراف والقوانين، أهم الضوابط التي يسترشد بها لتحقيق الضبط الاجتماعي في المجتمعات الإنسانية.

2) النظرية الهيمنة اجتماعية:

يرى أنصار هذه النظرية أن التربية وسيلة من وسائل تثبيت الهيمنة الاجتماعية، وينظر إلى التنشئة السياسية المدرسية باعتبارها عملية مقصودة تستهدف ديمومة الوضع الراهن والحفاظ عليه وتثبيت قيم ودعائم الاستقرار، والنظام الحاكم من خلال تنشئة الأفراد تنشئة متطابقة مع المجتمع و ذلك من خلال خلق ما يمكن تسميته بجيل "نعم". وقد كان ماكس فيبر (Max Weber) قد بلور هذا الموقف في أواخر العقد الخامس من القرن " الحاضر " في كتابه " مقالات في علم الاجتماع " (Essays in Sociology) حيث توصل إلى بناء نمطية أخرى في توزيع القوى الاجتماعية وتوازيها أطلق عليها اسم البناء الاجتماعي من أجل الهيمنة (Social Structure of Domination). يمكن إعادة صياغة نظرية ماكس ويبر هذه، بالقول إن التربية هي أداة من أدوات السيطرة الاجتماعية التي يملكها المجتمع إن لم تكن أداته الرئيسية. وبهذا يمكن مقارنتها حتى بأدوات القسر المباشر التي توجد في حوزة أي مجتمع. وكل الاختلاف بين التربية وبين هذه الأدوات الأخرى، هو أن التربية تستعمل بهدف كبت الظواهر السلوكية غير المرغوب فيها اجتماعيا، ومنع وقوعها على حين أن أجهزة القسر الأخرى تتولى قمع تلك الظواهر بعد استفحالها و هاته الأجهزة الأخرى ما هي إلا الترسانة القمعية و مختلف الأجهزة الإستعلاماتية و الإستخبارات السريتين و العلنيتين.

مجمل القول هو أن هاته النظرية تحتوي في طياتها ازدواجية فمن جهة قد تكون الهيمنة من أجل مشروع التقدم و إطلاق العنان من أجل الرقي و الازدهار و تنمية الوعي العلمي، و من جهة ثانية قد تكون بمثابة فرامل الإصلاح و ناعورة المحافظة و الركود، و الجدير بالذكر فالتوجه الثاني حسب الباحثين و المهتمين هو المحرك الأساسي التي تعتمده الشعوب على العموم.

3) النظرية الماركسية-الاشتراكية:

ينتمي أصحاب هذا المذهب إلى الفكر الماركسي الراديكالي المتمحور حول نظريات الصراع الطبقي، فهي ترى بوجه عام أن بالمجتمع صراعا بين طبقات حول أهداف كل طبقة والنظرة الإجمالية للحياة، فالإنسان لا يتعاون مع أخيه، بل الطبقة المسيطرة تستغل كل الطبقات، والدولة أداة قهر لطبقة وتدعيم لأخرى والطبقة الحاكمة تستعين بالمؤسسات لتحقيق الاستغلال، والتعليم مثله مثل بقية الأمور في الحياة الاجتماعية، وفق أنصار هذه المدرسة، يعد عملية سياسية حيث يقول لينين " إن التربية التي لا تتصل بالسياسة إذ تعد أكذوبة ونفاقا "، فالمدرسة من هذا المنظور، مجرد جهاز إيديولوجي للدولة تدير من خلاله الصراع لخدمة البرجوازية، والمدرسة بهذا المفهوم تعد المرآة لقمع فئات لصالح فئات أخرى.

وينتقد أصحاب هذا المذهب المدارس التربوية الحديثة بوصفها مؤسسات مسؤولة عن إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية عن طريق العنف الثقافي المؤسس على معايير ثقافية خاصة بالطبقة المسيطرة، رغم محاولات إبراز هذه المعايير بأنها معايير فنية محضة، وينتقدون التعليم في اهتمامه بإنتاج أنماط من الوعي والقيم والسلوك تتراوح بين الاغتراب والمسايرة والنمطية، حتى يسهل استغلال مخرجاته وإخضاعهم للقيم الهرمية الموجودة في سوق العمل الرأسمالي مع تزويدهم بقدر من المهارات الفنية والقيم التي تجعلهم في واقع يتقبلون به استغلالهم وحرمانهم، وإلا تعرضوا لشبح البطالة.

ويعد باولو فريري وإيفان إيليتش من أبرز الأصوات الناطقة باسم هذه المدرسة الراديكالية، فالتعليم الحالي من منظور هذين المفكرين تعليم صفوة وليس تعليما ديمقراطيا، يقوم على أساس الفرض والإرغام وليس على التفاعل والمشاركة. يلقن التكيف مع المجتمع والاستسلام لحضارة عصر الصناعة وينفر من الاستقلال والاعتماد على النفس والتحدي والثورة، والتعليم ليس وسيلة للحراك الاجتماعي وليس وسيلة للمساواة بل أداة لتقنين عدم المساواة والمحافظة على الفروق الطبقية الموجودة، ولهذه الأسباب، دعى باولو فريري وإيفان إيلتش إلى رفض التعليم البنكي الذي يتحول فيه الدارسون إلى بنوك تودع في أذهانهم المعلومات الميتة وتستعاد أثناء فترة الاختبارات بصورة ميكانيكية عديمة الجدوى، ودعيا إلى إحداث تغييرات جذرية في التعليم تقوم على منهجيات الحوار، وإثارة الوعي، والتحرر، ورفض القهر والصمت، والثورة على النظم القائمة. فالتربية في نظرهم إما أن تكون للثورة ولإحداث التغيير السياسي المنشود، وإما لا تكون.

ويسترسل" إيفان إيليتش " في كتابه " مجتمع بلا مدارس " دعيا إلى إلغاء المدرسة من المجتمع كشرط أساسي لتخليص الناس من إدمانهم لمؤسسات مستبدة وخادعة. ولم يكن السبب الرئيسي لرفض " إيليتش " للمؤسسة المدرسية عائدا إلى فشلها أو إخفاقاتها بقدر سخطه على دورها في ترسيخ قيم الماضوية والاستهلاك والقمع والقولبة الاجتماعية، ودعا إلى قيام تعليم حديث يبنى على قيم المساواة والإبداع والحرية والاختيارية والتلقائية الحياتية، واقترح بدائل للمدرسة الحديثة قائمة على أنظمة الشبكات التعليمية المتعددة لإلغاء مؤسسة التعليم، ولجعل التعليم أكثر حرية وإبداعا، فكل من " إيليتش " و" فريري " قد عبر عن موقف سياسي صريح وواضح رفض فيه رفضا مطلقا للفكر وللمؤسسات التربوية في السياق الاجتماعي الذي عاش فيه معتبرا إن هيمنة الفكر والممارسة المتخلفتين هما اللتان أديتا إلى ترسيخ وتكريس ثقافة القهر والتسلط وإعاقة فرص الخلق والإبداع والتميز في تحقيق نهضة مجتمعية منشودة، فالمؤسسة التعليمية من منظور هذه النظرية ينبغي في ظل هذه الظروف أن تكون أداة للتلقين السياسي والثورة ضد القهر الاجتماعي، والظلم، والتبعية، والفقر، وغلبة قيم الاستغلال، والمعرفة الميتة المنفصلة عن الواقع، فالتربية من هذا المنظور تعد أداة للتغيير المجتمعي وفق التصور الماركسي وثورة على ثقافة الصمت والقهر.

خلاصة:

يتضح من خلال مجمل النظريات السالفة الذكر بأن التربية تخضع لمقاييس سياسية و إيديولوجية صرفة أكثر مما تخضع لتوجيهات معرفية و تربوية و فكرية و علمية، و مضمونها هو خلق ظروف لقلب الموازين القوى و تغيير الأوضاع وفق تصور الفئة التي ترى في قناعتها الشخصية هدف و غاية و سر استمراريتها التكتكية و خدمة لخطها الكفاحي و الإيديولوجي، فالتربية أيا كانت عقدية أو مذهبا إيديولوجيا، يستحيل أن تكون محايدة، حتى التربية العلمانية هي تربية غير محايدة في مضامينها وتوجهاتها وأساليبها، إذ أن لها موقف ورؤية من الكون والخالق والوجود والأحداث المعاصرة.

الهوامش:

اليونسكو (2005) البعـد السياسـي لحركة تعليـم الكبـار: منظور عالمي، د. عبد العزيز بن عبد الله السنبل نائب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

التربية وعلم الاجتماع (1922)، إميل دوركايم (E. Durkheim).

طروحات حول الثقافة و اللغة و التعليم(2004)، منشورات الإحداث المغربية، محمد جسوس.

Illich, Ivan (1970): Deschooling Society New York. Harper & Row. International Council for Adult Education, Jamica declaration 2001, Toronto.

 

No ratings yet - be the first to rate this.

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.