آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه فى الواقع العربى

الاستبداد

آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه فى الواقع العربى


دكتورة. ثناء فؤاد عبد الله 

 


المقدمة

 

كل الناس من حقهم أن يعيشوا عيشاً كريماً، مادياً ومعنوياً، نفساً وجسداً وروحاً. ويتمنى كل إنسان فى الوطن العربى أن يتمتع بحريته وكرامته الإنسانية، مثله مثل غيره من البشر، لمجرد كونهم بشراً.

ولكن، كيف يمكن أن تتحقق هذه الأمنية بدون أن نسلط الضوء، ونكشف الحقائق، حول كل الأسباب التى تقف فى طريق تحقيقها؟

إذا كانت جهودنا بحثاً ودراسة تروم غاية نهائية تتصل "بالنهضة العربية" أو بعبارة أصح بعث "حالة نهضوية عربية شاملة" مادياً وإنسانياً" فهل يمكن أن يتحقق ذلك بدون نقد ما هو قائم أى الواقع والفكر والمؤسسات؟

إن ذلك يعنى، ضمن ما يعنيه تأسيس خطاب ذى مهمة مزدوجة: مهمة النقد المباشر، ومهمة التحليل الشامل والعميق.

وهذه المهمة الكبرى التى يتصدى لها الكثير من المفكرين تحتاج للشجاعة بقدر ما تحتاج من الجهد العلمى الجاد.

وإنها لشجاعة فائقة من جانب القائمين على "مشروع" دراسات الديمقراطية فى البلدان العربية، اختيارهم لموضوع "الاستبداد والتغلب فى نظم الحكم المعاصرة للدولة العربية" كموضوع للقاء السنوى الرابع عشر للمشروع.

وتختص هذه الدراسة بموضوع "آليات الاستبداد وإعادة إنتاجه" ويحدوها الأمل فى أن تكون ومضة "تنوير" فى بحث هذه الاشكالية الكبرى فى حياتنا.

ولاشك أن بحث قضية الاستبداد وحكم الغلبة فى الواقع العربى يكتسب أهميته من حقيقة أساسية مؤداها أن منطق الحياة لم يعد يقبل استمرار صيغة توفيقية مفتعلة لواجهة ديمقراطية ترتكز على شكل من المؤسسات العصرية المطعمة ببعض حقوق الإنسان، والمرتكزة فى الوقت نفسه على جذر استبدادى فى صورته الأصلية.

بيد أنه قد تكون هناك حاجة ماسة فى هذا الإطار لطرح نوع من "الاستدراك" بشأن قضية الاستبداد فى العالم العربى. ومن ذلك على سبيل المثال، أن الاستبداد ليس "حالة عربية محضة" بالمعنى "الطبيعى" الذى يفضى إلى استثناء الذهنية العربية من دورات التطور الديمقراطى.

بالعكس فإن الاستبداد مفروض تحت وطأة شروط وظروف قابلة للتغيير إذا ما توفرت قوة الدفع المناسبة.

من ناحية أخرى، فإن قضية الاستبداد بما هى حالة مركبة، والمقترب الذى يمكن استخدامه فى معاملتها هو بدوره معقد ومتنوع، فإن ذلك يعنى أنه يمكن وصف الخوض فى هذا الأمر على أنه من قبيل "المغامرة المحسوبة".

هذه "الاشكالية/المغامرة" تنبع صعوبة التصدى لها من أنه من غير الممكن معالجة الزوج (الاستبداد/الديمقراطية) بمعزل عن تأثيرات وضغوط النماذج التى تعودنا التفكير فى ظلها وتحت تأثيرها.

هذا، فى الوقت الذى أصبحت فيه هذه القضية، أى الاستبداد فى الواقع العربى، تحتاج فى معالجتها لأقصى درجة يمكن الوصول إليها من "الموضوعية" والانصراف إلى الواقع الحى مباشرة.

بعبارة أخرى، ونحن نعيش فى ظل مناخ ملتبس، تصدمنا فيه "السياسة"، ويشدنا فيه "المقدس"، المقدس بالمعنى الشامل، وترنو أنظارنا نحو أنماط مثالية نتصور أن فيها الحل الأمثل لأزمتنا المستحكمة، ألم يعد من الملح أن نتجاوز حدود الفكر الذى لم نتجاسر على تجاوزه من قبل، وأن نطرح من القضايا ما لم نطرحه، ومن ثم نكتشف هذه "الحلقة الخبيثة" التى تجعلنا ندور حول أنفسنا دورة كاملة، فى كل مرة، لنعود أدراجنا إلى نقطة البداية.

ولكن، هل يمكن حقاً تجاوز الفكر المسموح، وطرح القضايا التى لم تطرح من قبل، أليست المسألة فى النهاية تتعلق بالسياسة، أى حكم، وحاكم، ومحكوم، أى سلطة تتربص بالجميع؟

إنها حقاً مغامرة، ولكن لا مناص عن المحاولة.

أولاً: فى قضية التاريخ والمفاهيم والثقافة

فى التاريخ:-

الحرية، بما هى غياب كامل لكل عناصر القهر والقسر فى صورتها المادية والمعنوية، هى أهم مشكلة اجتماعية وفلسفية فى تاريخ البشرية. والتاريخ بما هو صناعة إنسانية فى الأساس فهو تسجيل مستمر لمكابدة أبدية لا تنتهى من أجل نيل حرية الإنسان، هذا مع الاعتراف بأن الحرية ظاهرة إنسانية متغيرة فى الزمان والمكان "فحرية الحاضر لم يتحدث عنها السلف".([1])

وحسبما يكون مفهوم المجتمع للحرية، تكون صورة هذا المجتمع وثقافته. وفى النظم القبلية والأبوية، وحيث يكون "النظام السياسى صنو الدين"، والحاكم هو صاحب السلطان، ومستخلف فى الأرض، فإن مفهوم الحرية يتمحور أساساً حول طاعة الرعية لصاحب وولى الأمر. ومع اقتران الطاعة السياسية بالطاعة الدينية تتشكل لبنات الاستبداد. ([2])

على صعيد الفكر، يعتبر البعض أنه على مدار التاريخ، فإن السلطة الاستبدادية، بصفة عامة، كانت هى القاعدة، وأن التحول عن هذه السلطة إلى أشكال قريبة من الديمقراطية، كانت هى الاستثناء. ويعنى ذلك أن النظم الأوتوقراطية المستبدة، كانت هى السائدة من الصين إلى أمريكا اللاتينية حتى أوروبا، بحيث كانت هى القاعدة، وبالتالى فإن التحول إلى الديمقراطية يأتى على سبيل الاستثناء. ([3])

ويظل هنا للبعد التاريخى أهميته فى هذا التطور. فقد تحدث مثلاً خلدون النقيب عن "الدولة السلطانية" التى سادت فى العالم الإسلامى منذ الحكم المملوكى، واتخذت شكلها الكامل فى الدولة العثمانية. كما تحدث عن الدولة البيروقراطية التى ولدت فى أعقاب الثورة الفرنسية، وتمخضت عنها اضطرابات القرن التاسع عشر وفى هذا الإطار يلاحظ التركيز على "الدولة التسلطية" والتى يصفها النقيب بأنها "ظاهرة خاصة بالقرن العشرين" حيث يمثل فيها الطور المكتمل للدولة البيروقراطية الحديثة. ([4])

هنا نجد أهمية للإشارة إلى "الابتكارات التنظيمية" التى مكنت الدولة البيروقراطية الحديثة من الدخول والتحكم فى حياة الشعب بصورة لم يسبق لها مثيل، ونعنى بها الجيش والشرطة ورجال الدين، وهو ما غير بصورة جذرية الأسس التى كانت تقوم على أساسها مؤسسة الحكم المطلق.

وبينما نجحت الدول الأوروبية، وبعض الدول الأخرى فى العالم فى الحد من قوة الدولة البيروقراطية الحديثة عن طريق القوانين والدساتير وفصل السلطات، مما أفضى إلى ميلاد ما أطلق عليه "الدولة الليبرالية الدستورية البرلمانية"([5]) فإن دولاً عديدة أخرى لم تنجح فى الوصول لهذه النتيجة لتظل، حتى الآن فى طور "الدولة التسلطية".

إذن لقد مرت عصور طويلة وأحداث جسام قبل أن يتطور مجال السياسة من الفطرية أو البدائية إلى المدنية، وقبل أن يتحرر الإنسان من قيود "الحكم المطلق والاستبدادى" حيث قادت هذه العملية لعقلنة العلاقات البشرية، وليتم أهم اكتشاف فى تاريخ الإنسانية وهو "أن الملوك ليسوا آباء شعوبهم"([6])، وليس لهم أى حق إلهى فى امتلاك الشعوب والأوطان.

فى المفاهيم:-

فى سياق بحثنا الراهن حول "الاستبداد" نرى بداية ضرورة إيضاح بعض الضوابط حول المفاهيم أو المصطلحات التى قد تبدو مترادفة فى نظر البعض لأن معانيها تبدو متشابهة.

ونبدأ بتعريف "السلطة" التى اعتبرها أحمد زكى بدوى "أنها القدرة على التأثير، وهى تأخذ طابعاً شرعياً فى إطار الحياة الاجتماعية، والسلطة هى القوة الطبيعية، أو الحق الشرعى فى التصرف، أو إصدار الأوامر فى مجتمع معين، ويرتبط هذا الشكل من القوة بمركز اجتماعى يقبله أعضاء المجتمع بوصفه شرعياً، ومن ثم يخضعون لتوجيهاته وأوامره وقراراته".([7])

وفى إطار اللغة العربية، فإننا نواجه ثراءً بالغاً فى المفاهيم التى توحى بالشدة أو القوة مثل: التسلط – القهر– الاستبداد- العبودية- الاكراه- العنف- العدوان- الارهاب-... الخ. وهناك من يعتبر "التسلط" بما ينطوى عليه من بطش وعدوان وعنف هو الأصل لهذه المفاهيم خاصة مع الإشارة إلى الخيط الرفيع الذى يفصل بين السلطة والتسلط، مع غلبة الرأى الذى يؤكد النزعة الاستبدادية للتسلط.

وفى الإطار العام، فإننا نجد أنفسنا فى سياق البحث الراهن، فى حاجة إلى تحديد وضبط مفهومين أساسيين نعتبرهما مما يخدم أغراض البحث فى المقام الأول وهما: القمع – والاستبداد.

وبالنسبة للقمع، نجد أن هناك تعريفاً دالاً طرحته نجاح محمد يرى أن القمع هو "كل نظرة دونية لأي إنسان، وكل تعصب قبلي أو عائلي أو ديني أو قومي أو طائفي أو مذهبي أو سياسي، وكل تزوير وتضليل فى كل الميادين الحياتية، وكل نقد تجريبي غير موضوعي، وكل رفض للحوار والتعاون والتنسيق والتوحيد، وكل استهتار بالأخلاق والحريات والقوانين، الخادمة للإنسان".([8])

أما عن الاستبداد، فقد استخدمه كمصطلح خلدون النقيب للتفرقة بين الحاكم الذي يلتزم بالقانون قولاً وفعلاً، والحاكم الذى يكون قوله وفعله هو القانون. فإذا وجد القانون، ولكن الحاكم يحتكر سلطة تعديل وتغيير القانون فهو إذن حكم مطلق، وإذا قيدت سلطة الحكم بقانون أساسي "فهو حكم دستوري".([9])

وقد يكون الحكم الاستبدادي فردياً أو حكم جماعة، كما أن هناك أهمية لتوجيه النظر نحو نوعية "الاستبداد" الذي ينبع من اختراق الدولة للمجتمع، وهيمنتها عليه بصورة كبيرة يجمعها خلدون فى عبارة "الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة فى المجتمع".([10])

كذلك نجد تعريفاً آخر للاستبداد ينقله حسن حنفي في عرضه القيم لفكر عبد الرحمن الكواكبى فى "طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد" وذلك باعتبار "الاستبداد هو الحكم الذي لا توجد بينه وبين الأمة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون ناقد الحكم. ولا عبره فيه بيمين أو عهد أو دين أو تقوي أو حق وشرف أو عدالة ومقتضيات المصلحة العامة".([11])

ولأن الأشياء تعرف بعكسها، فإننا هنا نرى ضرورة الإشارة إلى معنى قيمة "العدل" لاستيضاح الصورة العكسية لمعاني ومرادفات الاستبداد.

ولتأسيس المعنى المراد توضيحه بخصوص قيمة العدل نقول أن القوانين والتشريعات التى يتم سنها وكذلك الأشكال التنظيمية، فى بلد ما، تعكس أو تعبر عن تصور السلطة لقيمة ومفهوم العدل.

بناء على ذلك، وبوجه عام، فإنه فى الأنظمة الحاكمة المستبدة، تسير الأمور دوماً من أعلى إلى أسفل. بينما فى الأنظمة الديمقراطية تسير الأمور من أسفل إلى أعلى وبالتبادل.

وتبدو أهمية قيمة العدل فى الحياة السياسة والاجتماعية إلى حد أنه يبدو طبيعياً أن نعتبرها الشرط الأساسى لوجود "دولة" بتنظيمها السياسى والقانونى والاجتماعى، فإذا غاب العدل فنحن أمام أى شكل اجتماعى آخر غير الدولة. فالنظام السياسى العادل، هو الذى يعمل لصالح المجتمع، ويحترم حقوق المواطنة ويقيم "دولة القانون".([12])

 

فى الثقافة:-

 

فى تصدي البعض لاشكالية الحكم والسياسة فى واقعنا العربي وقضية الحرية والديمقراطية في بلادنا، جاء التناول من خلال منهاجية تكرس العودة للوراء بدلاً من السير للأمام أو حتى النظر بإمعان للواقع المباشر.

 

ففى معرض التفسير والتحليل للإشكالية يقال أن قضية الحرية والديمقراطية فى بلادنا ليست مجرد أن الدول العربية تقع تحت نظم ملكية أو عسكرية مما يجعل الحكم وراثة أو شوكة، وليست مجرد أن هناك قوانين طوارئ وقوانين استثنائية تكبل الحريات، وهي أيضاً فى نظر أصحاب هذا التوجه، ليست وجود أحكام عرفية وأجهزة أمن وبوليس وجيش ومخابرات واعتقالات وسجون وتزييف لإرادة الشعوب عبر انتخابات مزورة، وتأليه للحكام، واستلاب الوعي لدرجة اسباغ القدسية الإلهية أو شبه الإلهية على الحاكم السياسى، والتعددية الشكلية لحساب قوة واحدة مسيطرة كانت فرداً أو نخبة أو حزباً وحتى ليست القضية فى انعدام فرصة تداول السلطة كل هذا، من وجهة نظر هذا التوجه، ليس هو سبب الاشكالية السياسية وتعثر الحرية والديمقراطية فى واقعنا العربى، وانما الاشكالية تعود إلى "عمق الموروث الثقافى بعد أن ترسخ فى الثقافة الشعبية وأصبح جزءً من الوعي القومي".

يقول حسن حنفي إن "أزمة الحرية والديمقراطية فى واقعنا المعاصر إنما تمتد جذورها إلى الموروث الثقافي فى الوعي القومي، وما تبقى فيه من تصور هرمي أو مركزي أو رأسي للعالم، يعطي الأعلى ما يسلبه من الأدنى. الأعلى يأمر والأدنى يطيع كما هو معروف في الثنائيات التقليدية الموروثة...". ([13])

وطبعاً يمتد هذا التحليل، على هذا النحو لابراز دور "الموروث الثقافى" في خلق المجتمع الأبوى، وسماته الخاصة، هذا مع إشارة عابرة للعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، "والتفاعل بين العوامل المادية والمكونات الثقافية في الوعي الفردي والوعي الجمعي، فى ثقافة الفرد والتصور الجماعي للعالم".

والسؤال الآن هو: هل صحيح تتحمل ثقافتنا العربية كل ذنب الاستبداد الذي نعيش فى ظله؟

هل صحيح، كما يقول سعد الدين ابراهيم "أن هناك شيئاً فى الثقافة العربية اما أنه يعادي الديمقراطية صراحة أو لا يعطيها أهمية مركزية فى منظومة القيم والمعايير السائدة فى مجتمعاتنا"؟([14])

إن هذا المنظور بعينه هو الذي جعل سعد الدين ابراهيم ينوء بحمل هذه الثقافة ويعتبرها "الإرث الذى نحمله على ظهورنا" فالاستبداد لا يعود فقط إلى "أنظمة حكمنا الاستبدادية" ولكن أيضاً يعود إلى "ينابيع ثقافتنا المعاصرة، التي تجعل جماهيرنا نفسها مهيأة لقبول هذا الاستبداد، أو متواطئة فى التعايش معه".

والغريب هو تعدد، بل كثرة أصحاب هذا النوع من التحليل، فلننظر على سبيل المثال للنماذج التى ذكرها ايليا حريق مثل عبد الله حمودي فى "كتاب الشيخ والمريد: قواعد الذهنيات والمسالك فى السلطوية المغربية" وهشام شرابي فى "كتاب البنية البطركية: بحث فى المجتمع العربى المعاصر"، وفؤاد اسحق الخورى فى كتاب "الذهنية العربية: العنف سيد الأحكام".([15])

بل ينقل لنا ايليا حريق، أحد نماذج هذه التحليلات والتي يقول فيها ايلي قدوري "ليس هناك في التراث السياسى الإسلامى شئ مما يجعل أفكاراً منظمة كالحكم الدستورى والتمثيلى أليفة أو قابلة للفهم"([16]) كما ينقل لنا ملاحظة الخوري "لنزعة الاتجاه نحو الداخل ضمن الهيئة الاجتماعية ذات الروابط الوشائجية التي تؤثر مباشرة فى مفهوم الحرية بين العرب" فيقول: "ليس الحر عندنا من مارس حرية التفكير والابداع والتعبير عن الذات الخلاقة، إنما هو من استطاع حماية النفس من الآخرين تجنباً للسيطرة".([17])

وإذا تجاوزنا نسبياً منطق "الأرث الموروث" فى الثقافة، لنرى منطق الذين ينظرون للثقافة العربية المعاصرة بالمعنى العام، فإننا نجد علي أسعد وطفة يقول: "الثقافة العربية تعاني من العلاقات الاجتماعية التي تأخذ طابع الاكراه والقهر والتسلط، التي تضرب جذورها فى العائلة والمدرسة والحياة العامة".([18])

ثم ينقل عن مصطفى صفوان قوله "أن الثقافة العربية مشبعة بروح العنف وغنية بمظاهره، وأن العنف يدخل فى نسيج العملية التربوية، وبالتالي فإن السمة التسلطية تعود إلى الطبيعة الأبوية للمجتمع العربي".([19])

وينقل عن محمد قمبر قوله "إن القمع يسود ثقافتنا ويؤدي إلى مظاهر الاحساس بالدونية وفقدان مشاعر احترام الذات".([20])

 

والآن، جاء دور أحد النماذج الذي يربط بين "الجذور التاريخية" وممارسات المؤسسية الحديثة فيقول نور فرحات أن الاستبداد العربى "ظاهرة اجتماعية ثقافية ذات جذور تاريخية وليست مجرد ظاهرة سياسية رسمية" هنا نجد أن فرحات يوجه الاهتمام لمؤسسات المجتمع المدني الراهنة من أحزاب ونقابات واتحادات مهنية وتجمعات ثقافية وأندية رياضية واجتماعية مؤكداً أنها أبعد ما تكون عن القيم والممارسة الديمقراطية. وفي معرض التحليل والتفسير الذي اضطلع به هذا النموذج فإنه يشير إلى "ثقافة الاستبداد الغالبة فى كل حنايا البناء الاجتماعى العربى" وهذه الثقافة بعينها هي التى تقوم بتغذية التطرف اللاعقلاني الذى تفشى فى المجتمعات العربية. والمحصلة، من وجهة نظر هذا النموذج، تتمثل فى القاعدة التى يتم تفعيلها على مستويى الحاكم-والمحكوم، وهي إذا كان أهل الحكم يحتكرون السلطة فإن أهل التطرف يحتكرون الحقيقة. ([21])

 

كل هذا النقد والتحميل على الثقافة العربية، الموروث منها والمعاصر، تكون نتيجته بالطبع أن تكون الجماهير المنتجة والملازمة لهذه الثقافة "مهيأة لقبول الاستبداد" بل متواطئة فى التعايش معه، وذلك دون تحميل أي قدر للأسباب والظروف التى تعيش فى ظلها هذه الجماهير من أمية وجهل وفقر وتدنى مستويات التعليم والمعيشة والرعاية الصحية. بل إن الجماهير المهيأة للسلطة الاستبدادية ينحصر كل أملها فى أن يكون المستبد "عادلاً".

 

إذا كان من الصعب أن يتوفر لنا المجال لبحث وتمحيص كل هذه الانتقادات الموجهة للثقافة العربية، فإنه يمكن البدء بكلمة عامة اشتقاقاً من منطق الواقع نفسه، ذلك أن كل ثقافات الدنيا، فيها الايجابي وفيها السلبى.

 

وليس من منطق الأشياء أن نحكم على هذه الثقافة بما فيها من سلبيات فقط، هذا بفرض التسليم جزئياً بصحة قدر ما من هذه الانتقادات.

 

من ناحية أخرى، أليست هذه الثقافة، المنعوتة بكل هذه الصفات هي التي أنتجت: رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وخير الدين التونسى، ومحمد رشيد رضا، وسلامة موسى، وجمال الدين الأفغاني، وأحمد عرابي، ومصطفى كامل، وحسن البنا، وعلي عبد الرازق، وأحمد لطفى السيد، وعبد الرحمن الكواكبي وفرح أنطون، وشبلي الشميل، وسعد الله ونوس، ويوسف أدريس، ونجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وجمال عبد الناصر، وعباس العقاد، وطه حسين، وجبران خليل جبران، وقاسم أمين، وأحمد فارس الشدياق وزكي نجيب محمود، وغيرهم مئات من رموز الثقافة العربية والأعلام المضيئة فى تاريخ هذه الثقافة؟

 

من ناحية ثالثة، لنرى ما يقوله حليم بركات، عن "الثقافة" وهو ما ينطبق على الثقافة العربية أيضاً، يقول: "الثقافة ليست مجموعة مكونات ثابتة ساكنة جامدة مطلقة منغلقة تصلح لكل زمان ومكان أو لكل مجتمع وبيئة، بل هى متطورة باستمرار متغيرة مرنة نسبية منفتحة متحولة نتيجة لتغير الأحوال والأوضاع والأزمنة والعلاقات الداخلية والخارجية" ثم يضيف ما هو منصب مباشرة على المجتمع العربى "ليس المجتمع العربى كائناً تاماً مكوناً جاهزاً ومخلوقاً فى البدء فيدور فى دائرة لا يخرج عن مدارها كأنه صنع لأن يكون شيئاً واحداً وإلى النهاية، بل هو متطور فى هويته وثقافته وحتى مقدساته بحسب أوضاعه وظروفه وصراعاته المستجدة باستمرار من أجل التحكم بمصيره وموقعه فى خريطة الأحداث التاريخية".([22])

 

إننا بناءً على ذلك، وغيره مما لا يتسع المجال لذكره، نرى أنه آن الأوان لتصحيح النظرة للذات، ومحق الادعاء بأن ثقافتنا تقبل الاستبداد وتسوغه، وأن الفكر والذهنية العربية نقيض الحداثة والديمقراطية، فشعوبنا العربية ليست صنيعة الماضى وكفى، وكما توجد فى تراثنا نقاط سلبية أو معتمة وظلامية، فإن تراث أوروبا أيضاً، كان على مدى تاريخ طويل استبدادياً، ولم تبدأ فورته أو نقلته الديمقراطية إلا منذ مائتين ونيف سنة، وبالتدريج.

 

إن هناك أهمية تصل إلى مستوى المسئولية لدحض أسانيد التيار الذى يجعل "الواقع" أسير "التاريخ" خاصة وأن هناك فى الغرب من آمن وتبنى نظرة شوفينية متعصبة جعلت الاستبداد طبعاً شرقياً، وهو ما تؤكده توجهات مونتسكيو وجون ستورات مل، فمسيحيو الغرب من وجهة نظرهم تناسبهم الديمقراطية، أما الهمج والبرابرة وشعوب الشرق فلا يصلح لها إلا الحكم الاستبدادى.

 

إننا إذا نلقى على ثقافتنا ذنب استمرار الاستبداد، فإن ذلك يعنى تبرئه كل الأسباب الأخرى والتعمية عليها، أو كما يقول ايليا حريق أنه "تكتيك انحرافى يخدم صاحبه وتعفيه من مغبة مواجهة الطغيان السياسى المتمثل فعلاً ببنية نظام يحتكر مواقع النفوذ ويستحوذ عليها".([23])

 

وحتى إذا كان الدفاع عن الثقافة العربية جذرياً وبصورة مطلقة غير ممكن، فإننا نجد حجة قوية لمراجعة مقولة الجابرى أن "العقل السياسى العربى مسكون ببنية المماثلة بين الإله والأمير" فحتى لو كانت هناك شواهد على ذلك فى الواقع والتاريخ، إلا أنه من غير المستساغ الحكم على أن هذا "العقل العربى" قد انغلق سياسياً ونهائياً على ما يسم بنياه، أو أن هذا العقل السياسى العربى لا يصلح لشىء آخر إلا المماثلة بين الإله والأمير. ([24])

 

فالاستبداد قضية سياسية، يستشعر أكثرنا آلامها، "وهو صفة لحكومة مطلقة العنان" تتصرف كما تشاء وتتعدد أشكاله كالغلبة أو الوراثة. وهو ضد الحرية ويسد أبواب المشاركة فى إدارة شئون الحياة، وهو حالة مركبة تنعكس على المجتمع والدولة والاقتصاد. وفى الشطر الاقتصادى منه تكون العلاقة بين الغنى والفقير هى علاقة القوى بالضعيف. ويسمح الاستبداد بتوثيق العلاقة بين الدين والسياسة ورجال المال لاستبعاد وإقصاء الخارجين عن دائرتهم.

 

وفى حالة الاستبداد، تضعف "السياسة" وتضمحل لتطفو المراسم الشكلية ومظاهر الأبهة والسلطان بهدف فرض الهيبة التى تتحول إلى تقديس وخوف. وبالطبع فلا مكان هنا للمساءلة أو المحاسبة أو المطالبة، فقط السماح بالتماس الرضا أو البركة أو تجنب الظلم أو تحصيل بعض نعم السلطان.

 

وفى الواقع العربى، يذعن الناس للسلطة، ليس لأنهم مطبوعون على الخضوع ولكن بسبب التسلط وبسبب أجهزة العنف التى تملكها السلطة وأساليب القهر والقمع وتهديد مصادر الرزق.

 

وفى الآونة الأخيرة تشيع فكرة أن الدولة التسلطية لا حل لها إلا تولى قوة أجنبية إسقاطها!

 

ثانياً: فى تشخيص الحالة العربية

 

المجتمع العربى – سمات عامة:-

 

يمثل المجتمع العربى نموذجاً للتعدد والتنوع على كافة المستويات.

 

فمن ناحية هناك التنوع في الانتماءات الدينية والقبلية والطائفية والعرقية. ومن ناحية أخرى هناك التعدد فى أنماط الإنتاج. وأخيراً، فإن المجتمع العربي يعيش في ظل خليط من المؤسسات السياسية التي تتراوح بين الجمهورية والملكية والامارة.

 

والحقيقة أنه ليس من السهل وصف الأنظمة الإنتاجية فى الدول العربية بأنها اقطاعية أو رأسمالية أو اشتراكية لأنها فى الواقع تجمع بين هذه الأنظمة فى ظل صيغة مركبة، مع ملاحظة كون "العائلة" تشكل "عصب الإنتاج الاقتصادي".([25])

 

ويعتبر حليم بركات أن المجتمع العربي "يقوم على بنية إنتاجية تجارية – زراعية متمركزة حول العائلة، يرافقها نظام ريعي فى البلدان المنتجة للنفط".([26])

 

كذلك من سمات التنوع فى المجتمع العربي، أن بعض مناطقه تتمتع بالثراء والغنى فى الموارد والثروات، ولكن هناك مناطق تعاني من الفقر والندرة فى الموارد. والمجتمع العربي، ينفتح على العصر وينقل أحدث التقنيات والتكنولوجيا، ولكنه يتمسك ببنياته التقليدية. وفى عبارة جامعة يصفه بركات بأنه "سلفي تقليدي غيبي فى منطلقاته ومستقبلي متجدد علماني مستحدث فى تطلعاته".([27])

 

مراحل بناء الدولة التسلطية . . أشكال التسلط:-

 

فى سياق بحثنا الراهن حول مراحل بناء الدولة التسلطية يلاحظ أن فترة الستينيات والسبعينيات (1965-1975) مثلت مرحلة حاسمة فى "تطور مؤسسات الدولة التسلطية وتبلورها فى جميع البلدان العربية" عبر العديد من الأطر التشريعية والقوانين والإجراءات التي سمحت للدولة بالتوسع والتدخل واسع النطاق فى الاقتصاد والمجتمع (القطاع العام- قوانين الاصلاح الزراعي- قوانين التأميم). ([28])

 

وللدلالة على مدى تسلطية الدولة يشير خلدون النقيب إلى أن قبضة الدولة امتدت إلى تحديد أرزاق الناس، وماذا يأكلون ويشربون حيث أصبحت المواجهة بين الدولة وبين المواطنين مواجهة معيشية يومية متصلة وغير متكافئة".([29])

 

وما يهمنا التركيز عليه فى هذا السياق أن توسع دور الدولة في الاقتصاد والمجتمع، وما اقترن به من تحسن فى مستوى المعيشة لدى بعض الفئات، وتطوير البنى التحتية، والتوسع فى مجالات التعليم والرعاية الصحية، وادخال بعض المشروعات الصناعية، هذه التغييرات الايجابية لم تقترن بتحسين أساليب الحكم، ولم يصحبها تطور نحو الديمقراطية. على العكس من ذلك فقد اقترنت بإجراءات ضد الديمقراطية على طول الخط منها: إلغاء الدساتير، وحل البرلمانات، والحكم بموجب قوانين الطوارئ، وإلغاء الأحزاب أو التضييق على حركتها، ومحاصرة المجتمع المدنى برمته.

 

إننا فى هذا الإطار إزاء "دولة لا تثق فى المجتمع، ومجتمع لا يثق فى الدولة" وحتى فى الحالات التى تعترف فيها الدولة بأهمية مؤسسات المجتمع المدني، فإنها تبادر بوضع القوانين والقيود القانونية والإدارية ما يمكنها من مراقبة حركة هذه المؤسسات والحد من نشاطها مما يؤثر سلبياً عليها.

 

وتذكر أمانى قنديل أن الدول العربية شهدت ردة أو تراجع من جانب الدولة فى تعاملها مع "الجمعيات الأهلية" وهي من مؤسسات المجتمع المدني التي بدأت فى بعض الأقطار العربية في مطلع القرن التاسع عشر. ([30])

 

ولقد أدى تشدد الدولة إزاء المجتمع المدنى إلى خسارة الطرفين. فالفرد لم تتوفر له "الحصانة" التى تقيه ضد سطوة الدولة، كذلك الدولة لم تتوفر لها الحصانة ضد الاضطرابات الاجتماعية العنيفة، وبالتالي، فلم تتوفر فى "البيئة العربية خاصية إدارة الصراع الاجتماعي بصورة سلمية منظمة. ([31])

 

وفى المرحلة الراهنة، يعيش المجتمع العربي، في ظل حالة مزمنة من احتكار السلطة فى كل بلد عربي من قبل قلة مسيطرة مترسخة فى أجهزة ومؤسسات الحكم، ويقترن ذلك بإقصاء القوى الاجتماعية والسياسية ذات التوجهات المغايرة.

 

وسواء قامت هذه السيطرة من قبل القلة، استناداً إلى علاقات القرابة أو استناداً إلى الجهوية أو الزبونية([32])، فإنها تؤدى إلى انغلاق المجال السياسى ومنع ظهور نخبات سياسية جديدة.

 

فى هذا الإطار، لا مجال لممارسة حقوق المواطنة([33]) السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث يسود المناخ العام حالة من الانسداد والتضييق على الحريات العامة وفي مقدمتها حرية التعبير.

 

وفى نطاقنا العربي، يجري التسليم بمسلمات العولمة اقتصادياً، وقبول شروط الخصخصة واقتصاد السوق ونقل التقانة خاصة الاعلامية، ولكن بدون التسليم بخلخلة سلطات العسكر أو العشائر أو الطوائف. ([34])

 

وفى الإطار العام ففي الدول العربية كانت أزمة السبعينيات وما بعدها، لحظة فارقة فى تاريخ النظم السياسية العربية. فتحت وطأة الركود الاقتصادى، وفشل الخطط التنموية، وافتقاد المؤسسات للفاعلية، والفساد الإدارى، وتفاقم الأزمة المجتمعية بوجه عام، اضطرت النظم العربية لاتخاذ خطوات "التصحيح الاقتصادي" فى إطار مواكبتها "للسياسات النيوليبرالية العالمية" وفقاً لشروط صندوق النقد الدولي (برامج التثبيت والتكيف الهيكلي). وقد جاء ذلك تحت "وهم" أن فتح المجال أمام اقتصاد السوق، واطلاق المبادرة الفردية، ومجاراة تطور الاقتصادات العالمية، هي خطوات كافية لإخراج الدول العربية من أزمتها. ([35])

 

فى سياق هذه الترتيبات، جاءت مساحة الانفتاح السياسي محدودة وهامشية وغامضة، وتراوحت بين اتاحة تعددية حزبية مقيدة (مصر 1976 – تونس 1989 – الأردن 1992)، والسماح بهامش محدود لحريات التعبير وبعض صيغ المجتمع المدني، بالإضافة إلى تغير المناخ الحقوقي للسماح للقطاع الخاص بدور مؤثر فى العملية الإنتاجية.

 

فى ضوء هذه الترتيبات، تحدث البعض عن تحقيق "تسوية سلمية" بين النظم والشعوب بما يتضمن إنهاء عصر الاستبداد وزيادة فرص التغيير السياسى السلمي. إلا أن تصاعد المواجهة الدامية بين النظم السياسية والمعارضة الإسلامية المسلحة، وزيادة الاحتقان السياسي في صفوف القوى الاجتماعية المهمشة واصطدامها مع السلطة، ومحدودية المردود الاقتصادي والاجتماعي للخطوات التى أقدمت عليها النخب الحاكمة، كل ذلك أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الأزمة لن تحل بمجرد اتخاذ إجراءات اقتصادية أو سياسية محدودة وانما تتطلب "إجراء تعديلات جوهرية على قواعد عمل النظام السياسى والقانوني والقضائي والاداري، أي يستدعي تغييراً في قواعد بناء السلطة العمومية وممارساتها".([36])

 

لقد أثبتت شواهد الواقع أن هامش الانفتاح السياسي في بعض الدول العربية (مصر- تونس-الجزائر-الأردن-المغرب-اليمن)، والذي وصفه البعض "بالاصلاح الليبرالي" لم يكن سوى "إدارة لتناقضات المجتمع السياسي"، ولم تفقد أي نخبة حاكمة سيطرتها على السلطة، ولم تتغير إلا قواعد وأساليب ممارسة هذه السلطة. ([37]) وفي هذا الإطار، وفقت حدود الديمقراطية عند مشهد فرز الأصوات الانتخابية بعد تزويرها لتتحول إلى "مجرد تقنية انتهازية مستوردة" لإبقاء الاستبداد وعدم المساس به".([38]) أو كما يسميها البعض مجرد التغيير في آلية الفن الاستبدادي، والانتقال من القهر السلطوي دفعة واحدة إلى القهر على دفعات أو مراحل غير مباشرة.

 

لقد تواكبت هذه التطورات فى الدول العربية مع موجة انسحاب الشمولية فى العالم بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتى، واتجاه العديد من الدول نحو "الدمقرطة" وانحسار التسلطية.

 

ولكن هذه الموجة لم تؤت ثمارها فى العالم العربي حيث اقتصر الأمر على استخدام الآلية الانتخابية وتصميم الدساتير لا لشىء سوى تقنين الحكم التسلطى أو بعبارة خلدون النقيب "التسلطية بوجه ديمقراطي".([39])

 

إن ما يمر به العالم العربي مما يمكن أن نطلق عليه "محنة الدستور" أو "المحنة السياسية" تعود إلى أن النخب الحاكمة ليست مقتنعة فى قرارة نفسها بأن الحكومات يجب أن تخضع للمراقبة، وأن الحكام يجب أن يخضعوا للمساءلة، وأن الأمة هي مصدر السلطات وأنه لابد من وجود صيغة تعاقدية بين الحاكم والمحكومين لتحديد الحقوق والواجبات. ومن هنا فإنه فى ظل هذه الظروف وعندما يجري اضعاف الدستور، واضعاف الحكم الدستوري، فإن المحصلة هي اضعاف حكم القانون وبالتالي تكريس الحكم المطلق. ([40])

 

ولا أدل على محنة الدساتير العربية من أن أربعة دساتير عربية فقط هي التي تقدم ضمانات لاطلاق حرية الفكر أو الرأى دون قيود واضحة فى نصوصها (الجزائر المادة 36، البحرين المادة 23، مصر المادة 47، موريتانيا المادة 10). وعندما تضمن الدساتير العربية الحق فى التعبير عن الرأى فإنها تضمنه "بعبارات بسيطة نادراً ما تشمل أي تفصيل أو اسهاب فى تحديد أفق تلك الحرية"([41]) أما عن حرية تكوين الجمعيات، فإن الدساتير العربية تميل إلى إضافة القيود التي تؤدى في مجملها إلى تضييق حاد لنطاق هذا الحق، خاصة عندما يقترب نشاط الجمعيات من المجال السياسى.

 

أما عن التعذيب، فإنه محرم فى نصف الدساتير العربية فقط، وبدرجات متفاوتة من التحديد والوضوح، وهناك عدد من الدساتير العربية لا ترد بها أية إشارة للتعذيب أو المعاملة القاسية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة. ([42])

 

وليس أدل على استبداد أى نسق للحكم وفساده من التضييق على الحريات (حريات التعبير والتنظيم) وانتهاك الحقوق والحريات الإنسانية دون خشية أو حياء.

 

وبالاستناد إلى المؤشرات التى تنشرها بعض المؤسسات الدولية حول حالة الحرية فى العالم، يستنتج نادر فرجانى أن البلدان العربية "تتسم بمستوى أدنى من توافر الحريات بالمقارنة مع دول أفريقيا وآسيا غير العربية"، بل أدنى حتى من باقي دول العالم.

 

وبالطبع فإن حالة حقوق الإنسان فى الدول العربية هي بحق مفزعة، كما يراها فرجانى ونتفق معه، حينما تشمل انتهاكات خطيرة مثل اعتقال سجناء الرأى، وانتشار التعذيب، خاصة عندما تتم هذه الممارسات فى طي الكتمان. ([43])

 

المحصلة والمخاطر:-

 

بعد مرحلة "التحرر الاقتصادي" الشكلي و"الانفتاح السياسي المحدود" خرجت الدولة العربية أكثر تسلطاً عما كانت عليه. لقد ترعرعت المصالح الشخصية البيروقراطية الكمبرادورية الطفيلية في ظل آليات الخصخصة والانفتاح، وانفتح الباب على الغارب لسيطرة رأس المال الطفيلي، واستشرت ظاهرة الثراء المفاجئ غير المشروع، وتضخمت ظاهرة الفساد بكل أنواعه فى السياسية والاقتصاد والإدارة والعلاقات الاجتماعية. ([44])

 

لقد وجدت النخب الحاكمة والتحالفات الاجتماعية المتضامنة معها "الزبائنية" أنه ليس من مصلحتها إجراء تحولات ديمقراطية طالما أن مؤسسات الحكم لا تنفصل عن آليات توزيع العوائد المالية.

 

لقد جرى تخليق صيغة عربية تجمع بين التحرر الاقتصادي والتسلط السياسي "باستقطاب بعض أعضاء النخبة الداخلية، من خلال نحت أدوار مزعومة لهم برئاسة أحزاب سياسية أو مؤسسات أو حتى الاكتفاء بغض النظر عن آرائهم وانتقاداتهم طالما أنها لا تتعدى الخط الأحمر الشفاهي الذي رسمته الحكومة".([45])

 

في إطار ذلك ظلت السلطة في الدول العربية على رفضها القاطع لقبول مبدأ الشريك في الحكم. وغاب تماماً في الواقع العربي مبدأ التداول على السلطة.

 

فالتغيير السياسي إما بالوفاة الطبيعية، أو خلع الأمير لسابقه، أو الأزمات السياسية الحادة (الجزائر) وأخيراً يجري التمهيد لصيغة "توريث الحكم في الجمهوريات".([46])

 

ولم تستهدف التحسينات الشكلية التي أجريت على شكل الحكم (تعددية – برلمانات – انتخابات) إجراء أي تغيير في جوهر السلطة، كما لم يستهدف الانفتاح المشوه تحقيق عدالة التوزيع ومشاركة الأغلبية الاجتماعية في عمليات الإنتاج والحكم، ومع تزايد تراكم الثروات لدى التحالفات القريبة من الحكم، اتسعت الفجوة بين القلة من الأثرياء والأغلبية الساحقة من الفقراء المهمشين سياسياً واجتماعياً. وقد ثبت بالدليل القاطع أن "الانفراج" المحدود وفقاً لتوجهات البنك الدولى وصندوق النقد الدولي، كان عملية مدروسة أسفرت عن "تآكل القاعدة الاجتماعية" وتعرض الجماهير الشعبية الفقيرة لمزيد من الحرمان والافقار والتهميش. ([47])

 

لقد تم فرض وصفة التثبيت والتكيف الهيكلى على الدول العربية وفقاً لشروط النظام الرأسمالي العالمي في طوره "الإمبريالي المعولم". فى هذا السياق، تتحول وضعية "المنطقة العربية" من التبعية إلى مزيد من التبعية والتهميش.

 

أما على الصعيد الداخلي، فإن "المشروع الديمقراطي العربي" إذا صح التعبير، لم يحقق أي نصيب من النجاح الحقيقي، لأن المبدأ الذي جرى اعتماده وتسويقه والمزايدة عليه هو ستون سنة من ديمقراطية جائرة مستبدة أهون وأصلح من ليلة بلا ديمقراطية على الاطلاق. ([48])

 

-2-

 

ثالثاً: آليات إعادة إنتاج الاستبداد فى الواقع العربي

 

فيما سبق تناولنا مظاهر الاستبداد في الواقع العربي بوجه عام. والآن نطرح السؤال التالي:

 

ما هى آليات إعادة إنتاج الاستبداد فى الواقع العربي؟

 

بعبارة أخرى، ما هي الأسباب التى تمنع وتعوق تغيير "الحالة الاستبدادية العربية"؟

 

فى تقديرنا أن ذلك يعود إلى ثلاثة عوامل متشابكة ومتداخلة وهي:-

 

[1] الدولة – وتداعياتها كحالة حصارية.

 

[2] الدين وذرائع الاستخدام المراوغ.

 

[3] الفقر – وامتصاص طاقة المجتمع.

 

ونتناول الآن كلاً منها بالتفصيل:-

 

[1] الدولة – وتداعياتها كحالة حصارية:-

 

من ثوابت هذه الدراسة الاقرار بالرابطة الوثيقة بين الدولة والفعل السياسى باعتبارها حاملة له. كذلك، أن المجتمع لا يقوم خارج نطاق العلاقة مع الدولة، لأن أصول المجتمع وهى تكمن فى العملية السياسية، فإنها تكمن فى الدولة نفسها. يترتب على ذلك أن معالجة مشاكل المجتمع المدنى تتحقق، وتحتاج إلى الدولة ولكن:

 

أى نوع من الدولة تلك التى تساهم وتطلق طاقات المجتمع المادية والفكرية وتسمح له بالحركة والانجاز والنهضة؟

 

إذا كان علماء السياسة يقررون أن سمة الاكراه هى سمة غالبة على الدولة، مما يدفع بالتسليم بالقاعدة التى ترى أنه "لا دولة من دون سلطة ولا سلطة من دون تسلط" فإن قضية "الاكراه" تبقى هي محور الخلاف في التمييز بين دولة استبدادية ودولة ديمقراطية.

 

من الصحيح أن الدولة تجسد السلطة (كعلاقات للقوة) والتي تتولى إصدار الأوامر وفرض الالزام بالطاعة. ([49])

 

ولكن علاقات السلطة/القوة لا تقصد إلا بلورة وحدة المجتمع السياسي القومي، والدفاع عنها ضد المخاطر الداخلية والخارجية، والحفاظ على الذاكرة الجماعية، واحاطة المواطنين وضبطهم، ورسم حدود الدولة بالمعنى القومي، وتأهيل بنيتها التحتية دون مغالاة في التدخل.([50])

 

هنا نجد، حسبما يرى عماد شعيبى أن الاكراه "بمعناه الضابط اجتماعياً هو وظيفة صلبية لدولة الاكراه". ومع ذلك فإن شعيبى يصل بنا لنتيجة أساسية وهي "أن الغلو في دور دولة الاكراه كارثة على الدولة نفسها، ولم يعد مقبولاً التغاضي عنه فى سياق حركة كرة الثلج (الديمقراطية)". ([51])

 

إن الاكراه المغالى فيه يصبح خطراً على الدولة نفسها لأنه يكون قد استنفد أغراضه، لنصبح آنذاك أمام سلطة تعتدي على الدولة نفسها، أي دولة تنهش ذاتها، وبدلاً من أن تكون الدولة سياجاً "لموازين القوى" فإنها تصبح ساحة "لمراكز قوى" متصارعة.

 

إن تحليلنا الراهن، لا يقصد بحال من الأحوال تصعيد "المواجهة" ضد الدولة ولا زيادة حدة التوتر بين "الدولة" و"المجتمع"، وإنما يكمن الهدف فى لفت الانتباه إلى أن الاصلاح يتطلب في المقام الأول "تغيير الدولة ذاتها من الداخل" أي "تبديل نمط الإرادة التي تسيرها" لتتحول من عصبة أو عصابة لإرادة نابعة وتابعة ومصالحة للمجتمع".([52])

 

في الواقع العربى، نحن إزاء دولة "تفترس" المجتمع بكل أِشكال الاكراه الممكنة.

 

كان خلدون النقيب قد أشار إلى "الارهاب الشامل" الذى تمارسه الدولة التسلطية من خلال هيمنتها على الاقتصاد والمجتمع. ولا غرابة هنا في صفة "الارهاب: عندما يؤدي ذلك في الحالة المصرية مثلاً إلى "انسداد أفق التغيير السياسى بأي معنى، ومنع تشكيل أي حزب جديد، واستمرار القيود على نشاط الأحزاب القائمة، واحتكار الحزب الوطني (حزب الدولة) للسلطة إلى أجل غير مسمى، واستمرار تزييف إرادة الشعب من خلال انتخابات مزورة، واستمرار سريان قانون الطوارئ دون مبرر، وجموح ظاهرة أصحاب السلطة والثروة والنفوذ وفئة من هم فوق القانون، وانتشار الفساد والتربح وتعدد حالات الهروب وتهريب الأموال لدرجة أن كاتباً مصرياً تساءل صراحة: "هل نحن أمام عملية جديدة من عمليات (نهب مصر) والتى تحدثنا عنها فى القرن التاسع عشر وربما فى فترات لاحقة أيضاً... وإلا ماذا يعني الاستيلاء على أموال بالمليارات دون أمل كبير فى العودة؟"([53])

 

كانت قرارات الانفتاح الاقتصادي والسياسي التي اتخذها السادات قد ولدت الانطباع بأن مصر تتحول من "السلطوية الناصرية" إلى الانفتاح الديمقراطي، ثم أطلق البعض على الحالة المصرية الراهنة نمط "التعددية المقيدة" أو "المنضبطة" ولكن انسداد أفق التطور أو التغيير أمام هذا النمط التعددى المقيد، ينبئ بأن مصر لم تغادر بعد مرحلة الحكم السلطوي، وأن كل ما حدث أنها تحولت من نموذج تسلطى إلى نموذج تسلطى آخر.

 

كان نزيه الأيوبى لا يخفى "اعتزازه" بالدولة فى مصر عندما اعتبرها – رغم عيوبها وخطاياها "تراث وانجاز قيم لابد من الحفاظ عليه" ولكن ذلك لم يمنعه من طرح السؤال الحائر: ماذا نفعل بالدولة المصرية؟([54]) هل نقويها أم نحد من قوتها؟

 

وفى حالة الاعتراف بميزة الدولة "القوية" فإن الأمر يتعدى مسألة محاولة تصحيح مسارها. ذلك أن واقع الدولة فى مصر أنها سعت إلى ايجاد "خواء سياسى حولها" فمن حزب يتطابق مع الدولة، أو الحكومة، إلى مجالس تابعة، ونقابات خاضعة، وجمعيات تنشأ بواسطة الدولة ومن أجلها.

 

فمثلاً، عندما صدر القانون رقم 100 لسنة 1993، صدر تحت اسم "قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية" ولكن الحقيقة أن القانون شكل قيداً على الحريات وعلى حرية النقابات المهنية وحرية أعضائها فى من يريدون انتخابهم.

 

كما خالف القانون المواد (4) و(5) و(40) و(47) و(56) من الدستور. وفرض وصاية قضائية على النقابات المهنية. فإذا ألقينا الضوء على "مسيرة" هذا القانون لعرفنا نوعية "المناخ" التشريعى الجارى في مصر. فالمشروع تقدم به ثلاثة أعضاء من الحزب الوطني الحاكم فى مجلس الشعب وذلك فى 12/2/1993، وتم اقراره فى 16/2/1993 وصدق عليه رئيس الجمهورية فى 17/2/1993 ونشر بالجريدة الرسمية فى 18/2/1993.

 

وكما يقول علي عوض المحامى بالنقض والمحكم الدولى أن القانون يجب إلغاؤه، لما فيه من مثالب وقيود، وذلك من أجل "رفع يد السلطة عن النقابات إذ ليس من المصلحة إضعاف النقابات المهنية التى تشكل صفوة المثقفين فى المجتمع".([55])

 

ويظل السؤال ماثلاً... ما هى آليات إعادة إنتاج الاستبداد – والتسلطية والتحكم؟

 

هنا لابد من الإشارة إلى هيكل قوة القهر التى تتمثل فى النمو السرطانى لأجهزة الحماية (الأمن) الجيش والشرطة، والتى تحولت وظيفتها إلى حماية من هم فى سدة الحكم، ولم أدى الأمر إلى "ترويع المجتمع". لقد أصبحت مؤسستا الجيش والشرطة من أهم دعائم نسق الحكم الفاسد. ([56])

 

إن صورة دولة المخابرات هى حالة عربية شائعة وهى تجسد حالة "مخلوق ضخم" يقوم على القوة والعنف والاستبداد، ويستمد أسباب استمراره من الخوف وليس من الشرعية. ([57])

 

ويستفحل الأمر، عندما يستقر فى ذهن المجتمع أن "العنف" هو سيد الموقف، وهو السبيل الوحيد لأى نشاط سياسي بين السلطة والمعارضة (يسارية أو إسلامية). ومع أن السلطة صورت فى الآونة الراهنة معركتها على أنها أساساً ضد الإسلام الراديكالي، إلا أن الموقف لا يختلف تجاه أى معارضة أو نقد، فالمعارضة خروج على الدولة والنقد خيانة وعصيان مما يستوجب العقاب، وسجون الدولة هى "مأوى الخائنين".([58])

 

وبالطبع فإن الجهاز السلطوي يعضده إعلام موالى، هو فى حقيقته ابن السلطة وربيبها، وأداة رئيسية للتعبئة، والشحن العاطفي من خلال آليات تزييف الوعي وإفساده إن أمكن. فالقضايا التى يتم طرحها تكون بما يتفق وتوجهات الحكم والنخبة والحكومة، والقضايا التي يتم حجبها، وتجاهلها تكون مما لا يحسن فتح ملفاتها "توخياً للصالح العام".

 

أما ممارسة حرية الرأى والتعبير، فإذا لم تكن فى حدود "الأدب أو بعبارة أخرى" "الخطوط الحمراء" فإن المصير يتراوح بين الطرد أو الفصل أو الحرمان من الممارسة أو النقل الاداري وصولاً إلى السجن والتعذيب بأنواعه. ([59])

 

ولا غرابة فى ظل هذه الأجواء أن يعيش الإنسان العربي مغرباً ومغترباً عن ذاته، مستباحاً ومعرضاً لمختلف المخاطر. فهو على الهامش تشغله لقمة العيش. لا يجد من مخرج سوى "الخضوع أو الامتثال القسرى"، يجتر هزائمه الخاصة والعامة وهو مغلوب على أمره، عاجز عن التغيير أو تحدى قوى الاستبداد. ([60])

 

في هذا الإطار، يحذر برهان غليون من التصور الساذج والمضلل الذي يمكن أن يذهب إلى الاعتقاد بأن المعركة من أجل الديمقراطية تقتصر على مقاومة القوى المستبدة ومعارضتها. وحسب غليون، فإن هذا الاعتقاد الخاطئ (من وجهة نظره) يقود إلى "الاستهتار بعملية التعليم (الديمقراطي) والتربية والنضال السياسى وتعديل موازين القوى الأساسية المرتبطة بمسارها واللازمة لتحقيقها".

 

وبرهان غليون فى ذلك يشير إلى أهمية وضرورة إعداد المجتمع والمؤسسات لتصبح ناضجة للتحول الديمقراطي الحقيقي، وحتى تتجنب نتائج أكثر سوءً إذا ما تم اسقاط حكم استبدادى، وتولى الحكم استبداد آخر.

 

وهذا الحديث صحيح ومعقول ولا غبار عليه، إلا أنه لا يلتفت إلى "العقبة الكبرى" التي تقف في طريق أي "تحول" أو "اصلاح" أو دفع ولو محدود فى طريق "ديمقراطية حقيقة" إن مخالب الاستبداد تدمى الجميع، وتجهض كل محاولة لانضاج التربية الديمقراطية مما يؤدى إلى إعادة إنتاج الاستبداد. ويكشف على خليفة الكوارى الحقيقة دون مواربة بقوله إن "طبيعة الحكم العربي لا تترك فرصة لأي حركة سياسية لأن تنمو بشكل طبيعي وتعبر عن نفسها بشكل علني مفتوح وشفاف، وإنما يقفل الحكم التسلطى كل الأبواب، ولا يعود هناك مجال للتغيير إلا عن طريق الانقلابات والتآمر على الحكم وازاحته بالقوة، وتأسيس حكم يقوم على مبدأ الغلبة، ويستمر بفضل غلبته على مقدرات الناس إلى أن يأتى من يغلبه بالقوة والعنف...". ([61])

 

الفساد... الابن الشرعى للاستبداد:-

 

من المعروف أنه خلال الثمانينيات والتسعينيات، من القرن الماضى، استجد فى الواقع العربي نوع جديد من "العمليات الاستشارية" لتوجيه الخدمات من خلال "هيئات المعونة الأمريكية" والشركات الأجنبية نحو مكاتب استشارية محلية، وذلك بهدف تكوين طبقة أو نخبة من المهنيين الجدد ورجال الأعمال ممن يقبلون مسايرة برامج المؤسسات الدولية الهادفة إلى نشر برامج الخصخصة ودمج الاقتصاد العربى فى شبكة الاقتصاد العالمي.

 

وفي هذا الإطار تقوم الهيئات المعنية بمنح العقود الاستشارية والتوكيلات لأقارب المسئولين وأصهارهم وأصحاب النفوذ السياسى لتسهيل عمل الشركات الأجنبية، دون النظر إلى ما تقتضيه مصلحة مشروعات التنمية المحلية.

 

ومع اقتران هذه الظواهر، بضعف الرقابة والمساءلة فى المجالس التشريعية والنيابية وأجهزة الرقابة فى "الدولة" العربية، فإننا نكون إزاء ما يطلق عليه محمود عبد الفضيل "الفساد الكبير" وهو نوع من الفساد الذى يضاعف من خطورته ضعف أو انعدام فرصة تداول السلطة مما يؤدى إلى أن يعشش الفساد لمدد طويلة ويتم توارثه.

 

ويشير عبد الفضيل إلى أن "الفساد الكبير" يحدث على المستويين السياسي والبيروقراطي، حيث يمكن أن يكون بينهما تداخل كبير إذ يرتبط الفساد السياسي عادة بتفصيل القوانين الانتخابية وإدارة الحملات الانتخابية وتمويلها. ([62])

 

ومع انتشار الفساد والمفسدين، واتساع نطاق "الدخول الخفية" الناجمة عنه، فإن العمل الشريف الجاد يفقد قيمته، بل إن القانون نفسه يفقد هيبته واحترامه. هذا، فضلاً عن أن للفساد تكلفته الاجتماعية التي تتمثل فى انخفاض معدلات الكفاءة فى تخصيص الموارد الاقتصادية وهو ما يؤدى إلى تخفيض معدلات التنمية الاقتصادية وعدالة التوزيع للدخل القومي.

 

على أن العلاقة المباشرة بين الفساد والاستبداد تتمثل فى أن الفساد عندما يستشرى ويترسخ فإنه يعمل على حماية نفسه وذلك بإبقاء كل الهياكل التي انتجته على حالها، فلا تغيير فى القوانين ولا تعديل فى اللوائح ولا تطوير فى السياسات، لذلك نجد أن المسئولين الحكوميين غير مبالين بالتغيير وذلك ضماناً لاستمرار المناخ الذى يضمن لهم المزيد من التربح واستغلال النفوذ، وهو ما يصفه البعض بانتشار نمط "ثقافة الفساد".([63])

 

فى الحالة المصرية:-

 

فى إطار من "التسلط المركزى" تقع السلطة السياسية في مصر في أيدي التحالف الثلاثي بين بيروقراطية الدولة، والمؤسسة العسكرية، والحزب الوطني الحاكم.

 

ويستند هذا التحالف التسلطي على حماية القانون والجيش والشرطة. ([64])

 

ويجذب هذا التحالف إليه وكلاء العولمة الاقتصادية ووكلاء الشركات الأجنبية والاستيراد، ويعمل الجميع على إضفاء ليبرالية اقتصادية مشوهة لم تسمح بحال من الأحوال بفتح مجال الليبرالية السياسية أمام النظام السياسي المصري.

 

المهم أن تسلطية الدولة تتجسد فى هيكل قانوني استبدادي بغطاء ليبرالي مرتبك.

 

ويعانى جهاز الدولة في مصر من ظاهرتين أساسيتين([65]) تمثلان أهم سماته فى المرحلة الراهنة:

 

أولاً: عدم انسجام الأجهزة الداخلية فى النظام وتفككها وعدم توافقها حول السياسات العامة.

 

ثانياً: صعود قوة واتساع دور الجهاز الأمنى بحيث أصبحت له اليد العليا فى إدارة الدولة.

 

ويترافق مع هذه الظواهر، وينتج عنها اتساع نطاق انتهاكات حقوق الإنسان بدءاً من انتهاك حريات التعبير والحريات السياسية، وحق التنظيم الحزبى، والتضييق على التعددية السياسية واقصاء القوى السياسية وحرمانها من الشرعية (الإسلاميين)، وصولاً إلى الاعتقالات التعسفية وإساءة معاملة المواطنين فى أقسام الشرطة. ([66])

 

وفي محاولة للتصنيف، فإنه يجرى وصف النظام السياسي المصري بأنه من قبيل الأنظمة التعددية المقيدة. ([67])

 

فالتعدد الحزبي محكوم من أعلى مع وجود قيود على تشكيل الأحزاب، والانتخابات شبه تنافسية، وفوز الحزب الوطني الحاكم محسوم سلفاً، وتخضع المشاركة السياسية لمؤثرات تتراوح بين الترهيب والترغيب. ويظل لهذا النظام عاملان يمثلان المظهر الوحيد على الانفتاح السياسي المحدود وهما: تمتع الصحافة بهامش من حرية النقد، واستقلال القضاء (نسبياً) أما عن دور الهيئة التشريعية، فإنه شكلى ومحدود، ويخضع لنفوذ السلطة التنفيذية، ويقتصر الأمر على ما يتردد فى ساحة البرلمان من مناقشات وجدل عام، ووجود رمزى للمعارضة، ولكن دون تفعيل حقيقى لآليات الممارسة البرلمانية المجدية. ([68])

 

فى "الدولة العربية" أصلاً:-

 

الأصل في الدولة أن تكون محايدة ومستقلة كرابطة مدنية تحترم استقلالية الفرد الحر المتساوى القادر على تسيير أموره، وتحديد أهدافه العليا. ويقوم نظام الحكم فى الدولة المحايدة بدور الحكم النزيه غير المنحاز فى رعايته لسعى الأفراد (المواطنين المتساويين) نحو تحقيق أهدافهم ومصالحهم، بحيث يتركز دور الدولة فى عمليات التنظيم والتنسيق والتقنين.

 

وتحمى الدولة التعددية السياسية وبما لا يتعارض مع اتساع مساحة الحريات والحقوق السياسية وحماية دور المجتمع المدنى خارج نطاق السياسة. ([69])

 

وفى ذلك يقوم نسق الحكم الصالح([70]) (غير الاستبدادى) على أساس مؤسسات مجتمعية معبرة عن الناس تعبيراً سلمياً وتربط بينها شبكة من علاقات الضبط والمساءلة، بواسطة الناس، وبما يستهدف المصلحة العامة.

 

دون الدخول فى تفصيلات حول تاريخ الدولة فى الواقع العربي، فقد نتفق مع محمد جابر الانصارى على أن ما نراه فى العالم العربي هو "مشروع دولة" لم تصل بعد إلى مرحلة النضج والاكتمال تنظيمياً ومؤسسياً.

 

لعل السمة الأساسية التي واكبت تأسيس الدولة العربية أنها باشرت بإقامة حكومة وإدارة وجيش قبل أن تترسخ فيها مؤسسات "الدولة" من مجالس وتنظيمات، أي أن البداية جاءت بتأسيس "سلطة" قبل تأسيس "دولة" (مع ملاحظة قدم الدولة وخبرتها فى كل من مصر والمغرب).

 

من هنا يقول الأنصارى "إذا كانت حركات المطالبة بالديمقراطية والتغيير السياسى - ثورياً كان أم سلمياً- تطالب بتغيير الأنظمة والحكومات، فيبدو أن منطق التطور التاريخى الموضوعى الخاص بعملية تأسيس السلطة والدولة فى المجتمعات العربية يتطلب ويقتضى أولاً نضج مؤسسات الحكومة والدولة ومرتكزاتها فى المرحلة الراهنة دون تعجل الانقلابات والتغييرات الجذرية....".

 

إن الانصارى يربط بين شروط "التطور التاريخى الموضوعى" فيما يتعلق بعملية تأسيس السلطة والدولة وامكانية إجراء تغييرات سياسية عميقة، وإلا فإن الثورة أو التغييرات المنشودة تجرى فى فراغ وفى العراء. ([71])

 

وتفصيلياً يصل الأنصارى إلى أنه لا يمكن تصور جنين ثورة بالعنف أو التغيير السلمي دون "رحم" دولة مكتملة ناضجة ومخصبة ودخلت سن الرشد.

 

واستكمالاً لهذا التحليل، فإن الأنصارى اعتبر أن الطبيعة السلطوية أو التسلطية الحادة للأنظمة العربية، والإرث الاستبدادي للديكتاتورية العربية، لا يعود "لمسألة عطش الحاكم العربي إلى السلطة" ولكنه يعود أساساً إلى عنصر "عدم نضج واكتمال الدولة وسلطاتها، أي "التطور التاريخي الموضوعي".

 

وهنا نجد أن التحليل يجرى بصورة معكوسة، لأنه وفقاً لشواهد التجربة العربية، فإن الاستبداد، واحتكار السلطة، يعد هو نفسه السبب الرئيسي فى عرقلة وتعثر نمو "الدولة" فى الواقع العربي، لأنه يحرمها حيوية التجدد ويمنع عنها أسباب التطور والنمو والارتقاء إلى مراحل أعلى.

 

وهنا أيضاً نجد أن تحليل الأنصارى قد يفيدنا فى دعم وجهة نظرنا، ذلك أنه فى الواقع العربي ليس من السهل التفرقة الواضحة بين ما للسلطة وما للدولة، فالسلطة هي التي تبنى المؤسسات والأجهزة، أي أن السلطة هي "حاضنة الدولة وليس العكس، أو كما يجب أن يكون".

 

وحتى عندما يحاول الأنصارى لفت نظرنا لأهمية التمييز بين "النظام الحاكم" و"مؤسسة الدولة" وهي مسألة يصعب الوصول إليها فى الواقع العربي حيث يكون الفرد الحاكم ذاته هو "صمام الأمان" بالنسبة إلى بقاء الدولة، فإن هذا التحليل ذاته هو دليل أيضاً على سلطوية الحاكم والدولة معاً، وليس مجرد أدلة جديدة على عدم نضج الدولة وعدم اكتمال نموها فحسب.

 

[2] معضلة الدين فى الواقع العربى:-

 

فى قضية التسويغ:

 

من قبيل الأسئلة المحيرة السؤال حول الدين والدولة فى الواقع العربى... أيهما استخدم الآخر؟

 

قد نجد إحدى الاجابات السهلة فيما أشار إليه حليم بركات من أن الدولة، منذ عصور الإسلام الأولى، أدركت "أهمية استخدام الدين فى تثبيت شرعيتها وفرض هيمنتها".([72])

 

ولكننا، لسنا أمام دين عادي، فالرأى الغالب لدى الكثيرين أن الإسلام يختلف عن كل الأديان الأخرى لأنه "يريد أن يكون ديناً ودولة في آن معاً".([73])

 

ولأن الواقع التاريخى الإسلامي شهد نماذج للحكم قامت على الحرية والعدالة والمساواة بين الحاكم والمحكوم في الرأى والنصيحة والكسب والمال (الخلفاء الراشدون، عمر بن عبد العزيز، المهدى العباسى، نور الدين الشهيد) وهي النماذج الممثلة للصورة الأولية المترسبة في اللاوعي الجماعي مما يطلق عليه "النموذج الأصلي" Archetype، فإن دعوة الجمع (دين ودولة) ظلت تتقوى عبر الزمن مع تغير العصور والأزمان والحكام والأصول.

 

وفي حقيقة الأمر فإن المحصلة، كان يمكن أن تختلف تماماً لو أن قضايا مثل الحكم أو مصدر السلطة، ونوعها، وشكل الدولة، أخذت حظها من البحث والتمحيص والممارسات خاصة وأن النص الأصلي (القرآن) لم يأت مؤيداً للاستبداد، والإسلامية مؤسسة على دعم أصول الحرية. لكن الذى وقع، فى الفكر الإسلامي، هو أنه جرى خلط متعمد بين "الحاجة إلى وجود سلطة" وهي من مقتضيات الوجود الإنساني، وبين قبول السلطة حتى لو كانت استبدادية، وذلك وفقاً لقاعدة "أنه يفضل وجود طاغية لمدة عام على مرور ليلة واحدة من دون حكومة".([74])

 

وكانت النتيجة أن الكل وقع، بوعي أو بدون وعي في براثن المقولة أو القاعدة الذهبية وهي "إنما ينهض بالشرق مستبد عادل".([75])

 

وقد لا نجد غضاضة كبيرة فى التعادل الذي يقع فى الذهن بين "المستبد العادل" و"الزعيم البطل"، من عمر بن الخطاب وصلاح الدين، وجمال عبد الناصر،([76]) ولكن الاشكالية الأعمق تتأتى من "حضور" المستبد العادل لتسويغ الحكم والتحكم كهدف فى ذاته.

 

ويتبدى هدف "التسويغ" واضحاً حينما عمدت الطبقات الحاكمة إلى توظيف النصوص والمقولات لتأكيد شرعيتها وترسيخ سيطرتها. ومن هذه المقولات "إمام عادل خير من مطر وابل وإمام غشوم خير من فتنة تدوم"، وأن الحكام "هم وسائل الله فى عمله" و"أن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلاً" و"أن السلطة من الله، ويجب أن تطاع" وأن "الحاكم ظل الله على الأرض"، وأن "الحاكم ولو كان ظالماً، لخير من الفتنة وانحلال المجتمع"([77]) فطاعة أولى الأمر واجبة لأنها مسكونة نصاً، وعامة العلماء يقفون إلى جانب السلطان وذلك خوفاً من "الفتنة" والتى يعبر عنها حديثاً بضرورات الحفاظ على "الوحدة الوطنية".

 

ومن هنا يأتى تبرير كل أنماط السلطة مادامت تضمن الدين والمصالح، حتى فى ظل "إمام جائر". والمبدأ العام يسير على ألا يهتم "المسلم" بشئون السلطان مادام لا ينطوى ذلك على ما لا يحول دون شئون دينه.

 

وفى إطار ذلك يضيق هامش الخلاف والمعارضة والمراجعة خوفاً من "الفراغ السياسى"، "فستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان".([78])

 

وطبعاً يبدو الأمر، فى مجال الممارسة العملية، أكثر أهمية حينما نكون بصدد الحالات الاستبدادية الصريحة عندما نلاحظ محاولة ايهام العوام "بأنه لا فرق بين صفات الله وصفات السلطان".([79])

 

أما الانعكاس العملي المعاصر لهذا المنحى فيتمثل فى استخدام "الشعارات" الدينية لترسيخ أبوية السلطة. فالرئيس السادات أخذ لقب "الرئيس المؤمن" و"رب العائلة المصرية" وبالتالي فإن الخلاف فى الرأى هو خروج عن "القيم" فى "دولة العلم والإيمان".([80])

 

وعندما تم تعديل المادة الثانية من الدستور المصري فى أبريل 1980 بحيث ينص على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسى للتشريع"، فإن ذلك جاء فى إطار "الترضية الدينية" لأهداف سياسية.

 

وفى الواقع العربى، نجد أيضاً النموذج الذى حرص على ضمان "الطاعة المطلقة" و"الخضوع الكامل" لشخص "الملك" عندما أخذ العاهل المغربي الحسن الثاني لقب "أمير المؤمنين" مشدداً على مقام الأسرة العلوية كأبناء البيت، وإحياء طقوس "البيعة" لتحصين شرعيته، والاستحواذ على سلطات إضافية لم يمنحه إياها الدستور المغربي. ([81])

 

أما النظام السعودي، ووفقاً للأدبيات السعودية، فإن "المملكة من حيث المنهج والتطبيق تقوم على الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة... لذا فإن المطلع على تاريخ هذه البلاد يلحظ وجود الارتباط الكبير والمتين بين الدولة والدين دون انفكاك منذ الاتفاق التاريخي المعروف بين الامام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبد الوهاب... في عام 1157 هـ/1744 م".([82])

 

وفي سياق علاقات "التحالف" بين الحكم والمؤسسة الدينية، فإن النتائج تتعدد وفقاً للمشيئة السياسية، فمثلاً أفتى المفتى السعودى بحق المملكة فى تطبيع العلاقات مع اسرائيل فى عام 1994، ثم رجع عن فتواه بعد أن عارضه الشيخ يوسف القرضاوى.

 

وقبل ذلك كان السادات قد حصل على فتوى من الأزهر بتأييد اتفاقات كامب ديفيد. وقبل ذلك كان الأزهر قد اصدر فتوى فى عام 1956 بعدم الصلح مع اسرائيل ويذكر صادق جلال العظم، أن كل نظام حكم عربى، لا تنقصه المؤسسة الإسلامية التي تفتى بأن سياسته تتفق مع الإسلام.([83])

 

والخلاصة فى المعنى والمبدأ أن "كل سلطان ظالم مستبد كان دائماً يجد من يدعو له بالتوفيق".

 

كذلك من النتائج أيضاً تشجيع الدولة ورعايتها لبناء المساجد فى كل مدينة وقرية وحى.

 

وفى نطاق بحثنا الراهن، نركز على قضيتين أساسيتين هما: الموقف من السياسة، وقضية الخطاب.

 

بالنسبة للموقف من السياسة أو بمعنى أصح من قضية الديمقراطية لنضرب مثلاً يبرز موقف المملكة السعودية من الأحزاب السياسية، إذ ذكر كاتب سعودى "من الحماقة الفكرية القصوى أن يقال أن نظام الحزبين أو التعدد الحزبى القائم على التطاحن هو السبيل الوحيد لتسيير دفة بلد ما لمصلحة مواطنيه، أو أنه هو فعلاً السبيل الوحيد لاعطاء الشعب صوتاً فى كيفية إدارة بلاده...". ([84])

 

وفى عام 1992، جاء فى حديث للملك فهد أن "نظام الديمقراطيات السائد فى العالم نظام لا يصلح لنا فى هذه المنطقة، شعوبنا فى تكويناتها، وخصوصيتها تختلف عن خصوصيات ذلك العالم، نحن لا نستطيع أن نستورد طريقة تعامل تلك الشعوب لتطبيقها على شعوبنا (. . .) إن نظام الانتخاب الحر لا يصلح لبلادنا فى المملكة العربية السعودية، فهذه البلاد لها خاصية يجب أن ندركها".

 

وهكذا نتبين كيف يمكن أن تتضافر ذرائع الدين والثقافة والاستثناء والخصوصية، بهدف إبقاء الأمر على ما هو عليه ورفض التغيير. والحقيقة أن رفض التغيير يأتى من باب الاقتناع بعدم الحاجة إليه أصلاً، وعدم وجود مبرر فى نظر الحكم. ويفسر ذلك، على سبيل المثال الصورة المعطاة عن الحياة الداخلية فى السعودية، وكما جاءت فى كتاب وزارة الاعلام السعودية تفصيلاً كالتالى "ليس فى المملكة السعودية مشكلات سياسية كما هو الحال فى بلاد أخرى"، "ليس فى المملكة ضرائب على الاطلاق"، "الدولة والشعب يسيران فى طريق واحد فى ضوء الشريعة الإسلامية"، "ليس فى المملكة مشكلات اجتماعية، لأن الدولة تكفل المجتمع بأكمله."، "ليس فى المملكة الثلاثى الشهير: الفقر والجهل والمرض . . ."!. ([85])

 

على كلً، كانت هذه بعض النتائج التى تترتب على علاقة التحالف بين الحكم واستخدام الدين أو المؤسسات الدينية للمحافظة على الوضع القائم وإعادة إنتاجه. ولكننا مع ذلك مازلنا فى حاجة لمزيد من التفسير حول الخطاب الدينى.

 

ولنبدأ بطرح سؤال محدد:

 

هل حقاً يؤدى الإسلام إلى تضخيم احساس المسلم بالسلطة؟([86])

 

لننظر إلى ما يقوله أحد الرموز الإسلاميين من الموصوفين بالاعتدال. يقول الدكتور أحمد كمال أبو المجد "أول عناصر الخطاب الدينى المعاصر وأكثرها انتشاراً، وأشدها حاجة للمراجعة، الدعوة للإسلام عن طريق الترهيب والتخويف، واغفال الدعوة إليه عن طريق الترغيب والتبشير" ويصف أبو المجد الثمرة التى تترتب على هذا "الخلل" مشيراً إلى الذعر والخوف وصيحات الوعيد التى تملأ الناس قلقاً، أمام ما ينتظرهم يوم القيامة من عذاب أليم.. وينتهى إلى أن "الخائفين المذعورين لا يصلحون لبناء الحضارات العظيمة".([87])

 

وطبعاً هنا لابد من التفرقة الدقيقة بين الإسلام والخطاب الإسلامى. أى بين الإسلام كدين حرر الإنسان وأطلق طاقاته، وبين نوع من الخطاب يختصر "علاقة الإنسان بالله فى بعد واحد فقط هو العبودية".([88])

 

وفى هذا السياق نجد حلقة الوصل مع "الاستبداد" وبتعبير حسن حنفى عن الكواكبى يقول "المستبد السياسى يقوم على هذا البناء النفسى للدين ويتمثل الله بحيث لا يعود فرق بين الله والسلطان....". ([89])

 

وفى ضوء هذه البنية تتولد لدى "المؤمنين" "الخاضعين" روح الانسجام مع الأوضاع القائمة مهما كانت مجحفة وظالمة، ويعاد إنتاج الاستبداد دون مقاومة، فيتم تسويغ الفقر باعتباره ظاهرة طبيعية ومقبولة لأنها تجعل الفقراء من أهل الجنة. ويذكر عضيبات مقولة عن الشيخ عبد الحليم محمود، وكان شيخاً للأزهر حول الغنى والفقر، جاء فيها أن أصحاب الملايين من الصحابة كانوا من المبشرين بالجنة، ولكن "لم يكن أبو ذر أو بلال أو صهيب من المبشرين بالجنة" ويفسر محمود أمين العالم ذلك باعتباره من قبيل التوظيف الأيديولوجى للدين "لخدمة سياسة الانفتاح الاقتصادى" التى بدأها السادات فى مصر لتبرير الغنى الفاحش الذى حققه الانفتاح لبعض رجال الحكم وحلفائهم. ([90])

 

فالخطاب استخدم مرة لتبرير الفقر، ومرة لتبرير الثراء، طالما أن الهدف النهائى إبراء ذمة "المستبد العادل"، سواء كان حاكماً أو نظاماً أو نخبة.

 

وليس ببعيد عن خدمة هذا الهدف ما يشير إليه أبو المجد من نوع الخطاب الذى يبعد بالناس عن الواقع الاجتماعى والظروف المعيشية التى يعيشون فى ظلها، وذلك عندما ينصرف الخطاب إلى قضايا تملأ الساحة جدلاً "لا طائل من ورائه ولا نفع فيه".([91]) وهذا النوع من الخطاب ليس أخطر ما فيه شيوع "الإسلام الشكلى" "والتدين الطقوسى"، وإنما الأمر يمتد إلى تزييف الوعى والهروب الدينى أو الهروب إلى الدين بعيداً عن الواقع الاجتماعى، وهو ما يتفق مع المناخ الذى لا يشارك فيه الناس فى الأمور السياسية ويواجهون التهميش والاستبعاد عن المشاركة السياسية والاجتماعية بالمعنى الواسع.

 

وفى هذا الإطار تستخدم خديجة صفوت مفهوم "الدين السياسي" وترى أن غايته "الاستيلاء على أجهزة الدولة والدولة نفسها كأداة لتنفيذ برامجه الملخصة فى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الحدود..." وترى أنه فى هذه الحالة، فإن المشكلات الاجتماعية التى يتضمنها "البرنامج" حينذاك تنحصر فى "مفهوم العلاقة بين الجنسين" ليلهى هذا الشعار أو هذه القضية الناس عن الأمور والمشاكل الأكثر أهمية، أو القضايا الأكثر أهمية فى الدين نفسه ومنها "تخريب الاقتصاد والربح الحرام" وتستهجن الكاتبة التركيز على مناقشة العلاقة بين الجنسين وكأنها "العمود الفقرى للقضية الوطنية".([92])

 

فى عملية الاقصاء:

 

من المقولات التى أؤيدها مقولة غسان سلامة أنه "من العسير على المسلم أن يقبل فكرة أن دينه لا يضفى مشروعية إلا على الاستبداد (. . .) إن كون المرء مسلماً صادقاً وديمقراطياً صادقاً فى آن معاً، ليس من الزيغ فى شىء".([93])

 

ولكن فى اعتقادى أن المسألة أعقد من ذلك بكثير، وهى تنطوى على مواقف متشابكة ومعقدة، خاصة فى ضوء السجال الدائر بين السلطة والحركة الإسلامية.

 

ولا يخفف من حدة هذا التعقيد الاعتراف بعدم علمية مصطلح "الحركة الإسلامية" ذلك أنها من التنوع والتعدد والاختلاف حتى أنها تضم ألوان الطيف. وإذا كان المجال لا يتسع لتبيان هذا التنوع فإنه يمكن التقاط بعض الإشارات الدالة على ذلك. منها مقولة تحمل الكثير من الدلالة على واقع الحال العربى والإسلامى حالياً وهى مقولة راشد الغنوشى إذ يقول: "إن الإسلامى بصفة عامة واقع فى مفارقة عجيبة، فهو من ناحية ضحية القمع والإقصاء العلمانى ولذلك فهو يطالب بالحرية وقد يعتمد حتى على مبادئ حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية فى الضغط على الحكام المستبدين، ولكن كأنى به هو الآخر يحمل عقلية إقصائية لخصومه أو هو يخشى تلك الحرية التي يطالب بها ولذلك بمجرد أن يظفر بها حتى يخنقها ويضيق نطاقها".([94])

 

والغنوشى هنا، وهو رئيس حركة "النهضة الإسلامية" فى تونس يمارس نوعاً من النقد الذاتي. وكما يذكر وليد نويهض أن هذا النقد يفتح نقاشاً حول الديمقراطية على مستوى مختلف، وهو مختلف بالفعل عندما نعرض مثلاً لمقولة العلامة حسين فضل الله والتي جاء فيها "إننا كإسلاميين لا نعتبر أن الديمقراطية هى الخط الذى يعطى الشرعية للقضايا المطروحة فى حياة الناس ولا سيما إذا كانت هذه القضايا تتصل بالتشريع لأننا نعتبر أن الناس لا دخل لهم في مسألة التشريع...". ([95])

 

هذه المقدمات لابد أن تثير لدينا تساؤلات عديدة عندما نعرف وفقاً لتوجهات الجماعات الإسلامية – أن شرط قيام الديمقراطية هو قيام "دولة إسلامية"، ارتكازاً على أن النظام الإسلامي هو "الأول" وهو "الأصل" وهو فى نظرهم "الأوحد".([96])

 

هذا بينما تتعدد مستويات الموقف الإسلامي من الديمقراطية والحريات*، فهناك من يفترض أن التقوى والالتزام لابد أن يكونا على درجة واحدة بالنسبة لكل الناس، وهناك الاختلاف فى فهم الشريعة ومناهج تطبيقها، وهناك من يرفض الانتخابات كأسلوب للتداول والاختيار، وهناك من يرفض الدولة ويجّهلها. وحتى فى حالة تفضيل "البيعة" فليس ثمة صورة محددة لضمان مشروعيتها. ([97])

 

إذا هبطنا بهذا التفكير إلى أرض الواقع، فإن المسألة تبدو أكثر تعقيداً، حيث نواجه مجتمعات إسلامية وأنظمة سياسية ترى خطراً كبير فى أى انفتاح ديمقراطى لأنه يهدد "بإنهاء سلطانها الاستبدادي" أو حتى يؤدى إلى انهيار الدولة "فالعصبيات الخاضعة ترى أن أي ظاهرة انفتاح في النظم الاستبدادية هى فى الواقع علامة على ضعف العصبية المهيمنة يصعب عليها أن تتفادى الانزلاق نحو اتجاهات الطرد والانفلات من المركز وبذلك تنتقل من مجرد رفض النظام الدكتاتوري إلى رفض الدولة التي ترسم حدوده الجغرافية وتغذيه وتزوده بالمشروعية القانونية".([98])

 

مبادرة الأخوان المسلمين فى مصر:

 

فى الآونة الأخيرة، طرحت جماعة الأخوان المسلمين فى مصر مبادرة "للاصلاح السياسي" تضمنت ما يلى فيما يتعلق بالموقف من الديمقراطية وقضية الحريات:

 

التأكيد على حرية الاعتقاد الخاص.

 

حرية إقامة الشعائر الدينية لجميع الأديان السماوية المعترف بها.

 

تأكيد حرية تشكيل الأحزاب السياسية وإلا يكون لأية جهة إدارية حق التدخل بالمنع أو الحد من هذا الحق وأن تكون السلطة القضائية المستقلة هي المرجع لتقرير ما هو مخالف للنظام العام والآداب العامة والمقومات الأساسية للمجتمع أو ما يعتبر اخلالاً بالتزام العمل السلمى وعدم الالتجاء للعنف أو التهديد به.

 

ويقول أحمد راسم النفيس، أن "مشكلة الأخوان التى صنعوها لنا ولأنفسهم (أنهم يرون أنفسهم أقل قليلاً من أمة وأكثر كثيراً من مجرد حزب سياسي) وهم من ناحية يريدون التحول إلى حزب سياسى ويتصرفون فعلاً على هذا الأساس (. . .).

 

فى حين يبقى التنظيم مصراً فى نفس الوقت على اجترار تلك الادعاءات الكبرى عن "شمولية الإسلام"، "وعالمية الدعوة الأخوانية...". ([99])

 

والمهم فى ذلك كله، أن اشكالية الأخوان فى مصر، لا تقتصر فقط على أنهم يتعرضون للاقصاء من جانب النظام السياسى، ولكن أيضاً، تمتد المشكلة إلى عدم وضوح العلاقة بين المرجعيات الإسلامية المتعددة على الساحة، وتعدد توجهاتها السياسية بحيث أنه يصعب إن لم يستحيل الإِشارة إلى احداها باعتبارها المرجعية الإسلامية المعتمدة.

 

وختاماً فإننا يمكن أن نجمع أطراف الموضوع – على سبيل الاستنتاج النهائى فى حقيقتين أساسيتين:

 

أولاً: أن الجمع بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، بما يعنى قوة الدولة وقوة الدين، يجعل الإنسان "ريشة فى مهب الريح" ويمهد "لتسكين الإنسان فى جب السلطة، أية سلطة".([100])

 

ثانياً: أنه مثلما ترتكز "المعارضة" فى غالبيتها على المقدس، فإن النظام أيضاً يستخدم المقدس ويخلق "مقدسه"، وفى غمار الصراع على "السلطة" فإنه ليس ثمة فروق كبيرة بين السلطة/الحكم والمعارضة. ([101])

 

والمحصلة النهائية تتمثل فى إعادة إنتاج الاستبداد وسد منافذ التغيير والتحرر من براثنه.

 

[3] الفقر وامتصاص طاقة المجتمع:-

 

فى دول العسر:

 

جعل الاستبداد البشر طعمة للظالمين، وشرعية امتصاص حياة الزراع والعمال وأكل ثمار الغير واغتصاب الأموال والجهد والعمل، فلا فرق بين آكل لحوم البشر فى الماضى ونهب الأعمار وازهاق الأرواح وسلب العمل إلا فى الشكل. ([102])

 

"الاستبداد الاقتصادى من صاحب رأس المال للعامل صورة من صور الاستبداد السياسى".([103])

 

فى البلدان العربية بوجه عام، هناك فجوة واسعة تفصل بين الأغنياء والفقراء، وبينهما طبقة صغيرة مهددة.

 

وأيا كانت المقاييس، فهناك فئة قليلة تستأثر بملكية الأراضى والعقارات والثروات والجاه والنفوذ، وقد يضاف إلى ذلك السلطة والمكانة، بينما تعانى الغالبية الفقر بدرجات متفاوتة. ([104])

 

مع فشل مشروعات التنمية وتعثر تحديث الدولة العربية، وتفاقم المشكلة الاقتصادية واخفاق خطط الخصخصة وإعادة التكيف، وتواضع نتائجها، واقتران التحول إلى الانفتاح واقتصاد السوق بظواهر مرضية منها: الرشوة والمحسوبية والزبونية والمضاربة والاختلاس، واهدار الأموال العامة فقد بدا النظام السياسى وكأنه "اقطاعيات ومراكز نفوذ موزعة بين الأقرباء والحاشية والزبائن الذين يستعملهم الحاكم فى استراتيجياً عامة هدفها المحافظة على السلطة والامتيازات المرتبطة بها".([105])

 

إن حقائق الواقع ومؤشراته المؤسفة ساطعة سطوع الشمس. وتقول هذه الحقائق أن العمالة العربية قدرت فى بداية عام 2002 بحوالى 100 مليون عامل، منهم 20 مليون عامل عاطل عن العمل، أي بنسبة 20% من مجموع القوة العاملة العربية، معظمهم فى البلدان غير النفطية، وكما يقول عادل الصورانى، فإن ذلك يعنى تزايد مساحة (مساحات) الفقر وانتشاره بحيث يزيد مجموع الفقراء ومن هم دون خط الفقر (أقل من دولار واحد للفرد يومياً) عن 90 مليون نسمة معظمهم في مصر والأردن والمغرب والسودان وسوريا وفلسطين واليمن. ([106])

 

ولمزيد من التوضيح فقد يفيدنا الاستعانة ببعض المؤشرات. فمثلاً على صعيد الأداء الاقتصادي فى البلدان العربية فإن معدل نمو متوسط دخل الفرد الممكن فى الدول العربية يتراوح بين 2.6-3.2% (فى التسعينيات)، بينما يصل فى آسيا والباسفيك إلى 5%.([107])

 

أما عن معدلات البطالة، فقد قفزت بشكل ملحوظ لتصل إلى 13.4% كمتوسط خلال عقد التسعينيات وتقول المؤشرات أن هذا المعدل يرتفع إلى 25% إذا تم استبعاد دول مجلس التعاون الخليجى. كذلك تشير المؤشرات إلى أن مستوى الفقر، فى بلدان مثل مصر والأردن، ازداد فى السنوات الأخيرة، وأن تراجع مستوى العدالة فى توزيع الدخول لعب دوراً أساسياً فى زيادة مستويات الفقر. ([108])

 

وفى موضوعنا الراهن: ماذا يعنى الفقر بالنسبة لقضية الاستبداد؟

 

إن الفقر يعنى التهميش والحرمان من التمثيل السياسى وعدم القدرة على تفويض الآخرين للتعبير عن المصالح، وبوجه عام الخروج من دائرة النظام السياسى. ([109])

 

وليس من قبيل المبالغة القول بأن جماعات الفقراء المتزايدين فى المجتمعات العربية تعيش مغيبة الوعى، تقوم أو تنخرط فى أنشطة تقليدية وهامشية خارج نطاق العمل الاجتماعى المنتج. وهؤلاء يفرض عليهم نوع من "الحجر" عن المشاركة السياسية نتيجة تركز السلطة.

 

ويتبين حجم المشكلة عندما نعرف أن الفقراء العرب تصل نسبتهم، وفقاً لتقرير حال الأمة لعام 1999، إلى ثلث السكان. ([110])

 

فعندما يذكر مثلاً على الكنز وعبد الناصر جابى أن 14 مليون جزائري في حاجة إلى مساعدة اجتماعية، وأن 4.5 مليون دون أدنى دخل، فإن لذلك دلالة عميقة بالنسبة لـ"مجتمع التهميش" الذى تتسع دائرته بفعل عنصر البطالة (خريجي الجامعات)، هذا المجتمع المهمش يتكون من فئات بعيدة عن العملية الانتخابية. ([111])

 

وعموماً فإن الفئات المهمشة تتسم بالضعف بالمقارنة بالفئات الاجتماعية الأخرى، وافتقادها للقدرة على التفاعل على قدم المساواة، وهي تضطر لذلك لقبول أوضاع غير متكافئة، وتخضع وتمتثل للقوة المسيطرة حتى مع الحرمان من حقوقها.

 

وفي هذا الإطار ينقل اسماعيل قيرة قولاً لأحد هؤلاء الفقراء المهمشين جاء فيها "نحن ضحايا الحقرة واللامساواة وما تحول بعضنا إلى ارهابيين إلا تعبيراً عن هذا الوضع المتسم بالتردى فى كل شىء، وانغلاق جميع السبل أمامنا. ماذا عسانا أن نفعل؟ قل لى، صبرنا كثيراً من أجل أسرنا وبلادنا لكن لن نصبر أكثر على من يتحمل مسئولية فقرنا وإذلالنا".([112])

 

ويشير قيرة إلى أن عدد المهمشين يزداد طالما ظلت ظروف التحكم والاستغلال كما هي "وطالما ظلت ظروف تنشئة المجتمع لأفراده قائمة على عبادة النظم".([113])

 

ويلاحظ عزت حجازي فى دراسته عن "الفقر فى مصر" أن نمو اتجاهات السلبية واللامبالاة لدى المواطنين تجاه الشأن العام تعود إلى تهميش قطاعات كبيرة من المجتمع، وحرمانهم من فرص المشاركة فى وضع السياسة العامة واتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها. ([114])

 

ويتعمق حجازى فى تحليل العلاقة بين الدولة والطبقات الاجتماعية، ويستخلص فى دراسته نتائج محددة حول تطور الأوضاع في مصر فى المراحل التاريخية المختلفة وصولاً إلى التاريخ الحديث والمعاصر. ولعل أهم ما توصل إليه من نتائج أن الدولة (فى مصر) لم تغب أبداً عن "حلبة الصراع على الثروة" وأن نشاط الدولة فى هذا الشأن اتجه إلى "الاستغلال أو "الاستنزاف" سواء لمصلحتها أو بالوكالة عن طبقات بالذات. وأن الدولة تتوصل لتحقيق أهدافها لاقرار التوزيع غير العادل للثروة بطرق غير اقتصادية (تزييف الوعى للتسليم بالفقر قضاء وقدر (الاعلام) أو عن طريق التشريع والإطار القانوني، وصولاً إلى أساليب القهر والقمع من خلال الجهاز القضائي المنحاز للدولة، والجهاز البوليسي. ([115])

 

هذا الخلل فى هيكل القوة، تكون من أهم نتائجه أن يظل الفقراء مهمشين صامتين لا يشاركون فى أي استراتيجية تنموية "وطالما ظل المهمشون (مفعولا به) فى هيكل القوة المختل فلن يجدى كثيراً الحديث عن التمكين أو الأحقية".([116])

 

ويرى عمار على حسن أنه لا يكاد يمر يوم على مصر إلا ويزيد حجم المهمشين تحت وطأة التفاوت الطبقى، لنرى فئات كانت ميسورة أو يجرى تصنيفها ضمن الطبقة الوسطى، تتهاوى للقاع وتقترب من خط الفقر. ([117])

 

وتلاحظ أمانى مسعود الحدينى فى دراستها عن "المهمشين والسياسة فى مصر" والتى طبقت على عدة مناطق منها "عرب الحصن" و"المنيرة"، أن الثقافة السياسية لدى سكان هذه المناطق هي ثقافة (لقمة العيش)، فهم لا يهتمون بالموضوعات السياسية أو الاقتصادية، ويركزون على ما يمس حياتهم مباشرة، ولوحظ انخفاض وعيهم السياسي والخلط بين الحزب والنقابة والمجالس المحلية. وتركز أمانى مسعود على أن مشاعر الضعف (والإفقار من قبل الدولة) خلقت أزمة ثقة بين الناس والحكومة وهو ما يجعلهم يتشككون دائماً فى نزاهة الانتخابات وجدوى التصويت، هذا بالإضافة إلى مشاعر الاغتراب الاجتماعى السائد بينهم. ([118])

 

فى دول اليسر:

 

فى هذا الإطار، يطرح عبد الخالق عبد الله مقولة لها ألف مغزى، إذ يقول "ليس هناك أى سبب يدعو دول مجلس التعاون الخليجى لكى لا تتمتع بقدر أكبر من الديمقراطية والشفافية كبقية دول العالم".

 

ويعود سبب هذه المقولة، وفقاً لعبد الله، إلى أن المؤشرات العلمية أثبتت أن سكان منطقة مجلس التعاون "بحاجة ماسة إلى جرعة كبيرة من الحرية والديمقراطية والشفافية فى حياتها السياسية" بعد أن حققت نجاحات فى مجالات الرعاية الصحية والتعليم والرفاهية الاجتماعية، فهى مع ذلك تفتقر إلى وجود الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية والمهنية (تغيب المنظمات المهنية فى عمان وقطر والسعودية، وفي الكويت بها 16 منظمة تليها البحرين والامارات حيث يوجد عشر جمعيات مهنية فى كل منها) ويشير عبد الخالق عبد الله إلى تقارير دولية تستخلص أن "وضع حقوق الإنسان فى دول مجلس التعاون غير مقبول على كل المستويات ولا يصل إلى مستوى الحد الأدنى عالمياً" فهي غير ديمقراطية ولا تحترم حقوق الإنسان ولا تسمح بالحريات السياسية. ([119])

 

والحقيقة أن المقولة التي طرحها عبد الخالق عبد الله يفسرها ويجيب عليها على خليفة الكوارى حينما يتناول العقبات والعوامل المعيقة للتحول الديمقراطى في دول الخليج، حيث يشير إلى "ضخامة مصالح الأسر الحاكمة وما يعود عليها من المال العام كرواتب ومخصصات وعطايا وخدمات وما يتمتع به بعض أفرادها من قدرة على استملاك الأراضى الشاسعة".([120])

 

وفي هذا الإطار يهتم الكوارى بمفهوم النخبة "المستفيدة" بالمعنى الواسع وهي تشمل كذلك الوزراء وكبار الموظفين والممارسين لأعمال السمسرة، ومن يتولون عضوية مجالس إدارة الشركات الكبرى، فيما يوضح العلاقة بين السلطة والثروة وتحقيق المصالح الشخصية حتى ولو كانت على حساب المصلحة العامة، والمشروعية القانونية.

 

إذا أضفنا إلى ما تقدم نوعية البنية الاجتماعية في دول الخليج، وظواهر الخلل السكاني المتفاقمة، لتبين لنا أبرز ملامح "النسق الريعي – السلطوي" في المنطقة. وفي هذا السياق يتبين أن نسبة قوة العمل المواطنة في عام 1997 انخفضت عما كانت عليه فى عام 1981 (السعودية من 57.1% إلى 35%، عمان من 46% إلى 35%، البحرين من 56% إلى 38%، الكويت من 21% إلى 17%، قطر من 15% إلى 10%، فى الامارات من 13.9% إلى 9.5%).([121])

 

إن الأمر المؤكد، فى منطقة الخليج أن هناك علاقة وثيقة بين صيغة الحكم الاستبدادي، وضعف البنية الاجتماعية، والخلل السكانى بين مواطنين – ووافدين وهو ما يحد من قدرة المجتمع على حشد وتفعيل طاقته فى العمل العام. ويعبر الكوارى عن هذا المعنى بقوله "لا يشكل المواطنون فى أغلب دول المنطقة، ولاسيما الصغيرة منها، كل المجتمع أو أغلبيته. وفى الوقت نفسه لا يشكل كل السكان مجتمعاً ترتبط مصائر أفراده وجماعاته ببعضها أكثر مما ترتبط بأي مجتمع خارج حدوده".([122])

 

إذا اعتبرنا أن الدول الخليجية النفطية هى تجسيد مباشر وواضح لفكرة الدولة الريعية، المعتمدة أساساً فى اقتصادها على تصدير النفط، فإن شواهد الواقع تؤكد أن هذه الدولة التي وضعت تحت تصرفها معظم مصادر الثروة الوطنية، أصبحت وظيفتها الأساسية "توزيع المزايا والمنافع على أفراد المجتمع" أي أن الدولة تقوم بمثابة مؤسسة لتوزيع المنافع.

 

ويمكن القول بكثير من الثقة أن أهم النتائج السلبية التي ترتبت على هذا الواقع هي ظهور فكرة المواطنة المرتبطة بعناصر الثروة ومصادر الكسب الاقتصادي وهو ما يبرر - في بعض الأحيان سياسة عدم التوسع فى منح الجنسية والتمييز بين فئات المواطنين (بين المواطن الأصلي والمتجنس). ([123])

 

وفي هذا السياق يتم تعزيز المواطنة بالثروة على حساب المواطنة بالقانون. ولأن الثروة منحة من الحاكم فإنه لا يقابلها مطالبة بالحقوق أو المشاركة السياسية أو مقاومة المغالاة فى السلطوية. ([124])

 

ولا أدل على تصوير هذا الواقع من كلمات عبد الله جناحى التى تشير إلى "العقلية الريعية" فالراعى "يعمل على تدبير الطعام لقطيعة بينما قطيعة نائم لا ينتج" والراعي يسهر على حماية الرعية ولا يغفل عنها، حتى إذا اقتضى الأمر استخدام القوة ضدها لحمايتها. ([125]) وهذه الصورة لا تنطبق فقط على منطقة الخليج، بل نجد تطبيقات لها فى الواقع العربي بوجه عام.

 

وطالما أن هناك من يقرر للناس كل ما يتعلق بشئون حياتهم، ومصيرهم، ومستقبلهم، فإنه هنا لا مجال للحديث عن "خيارات الناس"، أو الحديث عن ما تتمتع به شعوب أخرى عندما تتطلع إلى "العيش حياة طويلة وصحية والحصول على المعرفة وتوافر الموارد اللازمة لمستوى معيشى لائق".([126])

 

بل لا مجال للحديث عن تنمية أصلاً، إذ أن التنمية تتطلب، حتى تحقق انجازات حقيقية تضيف إلى طاقة المجتمع وقدراته، استبعاد الأسباب الأهم لمصادرة الحرية، وهذه الأسباب هي الفقر والاستبداد. وهنا نقصد بالفقر غياب "الفرص الاقتصادية، والحرمان الاجتماعي وإهمال الخدمات العامة".([127])

 

وختاماً

 

لا مبالغة بالقول أن المحصلة النهائية للاستبداد المزمن وإعادة إنتاجه هى مجتمعات تعانى الركود والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والتفاوت الخطير فى توزيع الثروة الوطنية وفجوة تتسع يومياً بين الأغنياء والفقراء، وفقراً يتنامى يوماً بعد يوم، ومزيداً من الجماهير المهمشة التى تفقد تدريجياً حسها الوطني والسياسي، وفى إطار ذلك كله، فإن السمة الوحيدة الباقية للمجتمع هي أنه مجتمع يفقد تدريجياً السيطرة على شروط بقائه واستمراره. ([128])

 

فإذا ما وسعنا مجال النظر إلى ظاهرة "التهميش" في حد ذاتها بما تعنيه من احتكار السلطة والانفراد بعملية اتخاذ القرار، واستبعاد باقي فئات المجتمع من دائرة المشاركة، ومصادرة حقوق الإنسان فإن المحصلة العامة تتمثل في إصابة الفعل السياسى بالشلل والعجز والضمور وعدم مواكبة متغيرات الحياة بسبب عدم تجديد الرؤية السياسية والاجتماعية التي تحتكرها "جماعة الحكم" أياً كان سند الشرعية التى ترتكز عليها.

 

ومع اقتران ظاهرة التهميش الاجتماعى والسياسى ببقاء "الحاكم" على مقعد الحكم بصفة مؤبدة وليست مقيدة، وفي إطار لا يعترف بالتعددية السياسية أو يسمح بتعددية مقيدة وغير مجدية، مع انعدام فرصة تداول السلطة، فإن هذه الحالة من شأنها تنمية مشاعر "تقديس الذات وعصمتها لدى جماعات الحكم"([129]) مما يفضي في التحليل النهائي إلى ضحالة الأداء السياسى والاجتماعى وانصراف الجماهير عن الاهتمام بشئون الوطن وتفشى الاستبداد فى أكثر صوره عنوة وصرامة.

 

إن الأنظمة السياسية والاجتماعية فى الواقع العربى، تأخذ المظهر الحداثى، مع أنها تنطوى على كل ما يتناقض مع حرية المواطن. وفى هذا الإطار تستمر المنظومة السلطوية موزعة بين النظم الحاكمة والاستخدام المشوه للدين بالإضافة إلى الذراع الاعلامى. فالنظم تصادر الحرية أو تحجر عليها بذريعة الأمن والاستقرار وحفظ النظام العام والحقيقة أنها تعنى استمرار الأمر الواقع. والحريات الدينية المتطرفة تصادر الحرية تحت دعاوى التكفير وتهمة الضلال..

 

وإذا ما أضيف إلى ذلك علاقات الارتباط أو التحالف بين نخب الحكم والهياكل التقليدية (طائفية – عشائرية) لوجدنا أن أرضية التسلط تستمر فى إنتاج ذاتها، مما يفضي إلى إضاعة كل فرص التغيير الايجابي واختناق روح الاستنارة والنهضة والاصلاح والتحديث.

 

وإذا كانت هناك، في نهاية المطاف، فسحة من الأمل يتعين التمسك بها، مهما كان الأمر، فلن تكون إلا من خلال من تتوفر لديهم إرادة دفع الثمن... أعني ثمن الحرية.

 

ـــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

. ([1]) أنظر المعالجة التى قدمها شوقى جلال بعنوان "عن الحرية الفردية والتنوير" فى: شوقى جلال، العقل الأمريكى يفكر، (القاهرة: مكتبة مدبولى، 2000)، ص 21.

 

([2]) المصدر نفسه، ص 25.

 

([3]) حول بعض الآراء فى هذا الموضوع أنظر:

 

Gjassane Salamé, ed., the foundations of the Arab St ates (London: Croom Helm, 1987).

 

([4]) خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية فى المشرق العربى المعاصر . . دراسة بنائية مقارنة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991) ص 23-24.

 

([5]) المصدر نفسه، ص 28.

 

 

 

 

 

 

 

([6]) كرين برينتون، تشكيل العقل الحديث، ترجمة شوقى جلال، مراجعة صدقى خطاب، سلسة عالم المعرفة، رقم 82 (أكتوبر/1984)، ص 171.

 

([7]) Ahmed Zaki Badawi, A Dictionary of the social sciences: English – French – Arabic with an Arabic – English Glossary and a French – English Glossary (Beirut: Librairie du Liban, 1978).

 

([8]) نجاح محمد، "العقل العربى والقمع"، المعرفة (سوريا)، السنة 33، العدد 366 (مارس 1974)، ص 46-50.

 

([9]) خلدون النقيب، المصدر نفسه، ص 21.

 

([10]) من المراجع الأخرى التى تتحدث عن أِشكال الحكم بصورة شاملة أنظر:

 

Juan Linz, “Totalitarian and Authoritarian Regimes” Hand book of political since, eds. Fred 1.3 Greenstein and Nelson W. pols by (Reading Mass: Addision Wesley, 1975).

 

([11]) حسن حنفى، "قراءة جديدة للكواكبى فى: طبائع الاستبداد ومصارع العباد"، وجهات نظر، العدد 37، (فبراير 2002)، ص 30.

 

([12]) عمار على حسن، وزارة العدل (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، سلسلة الوزارات المصرية، 2003)، ص 13-14.

 

([13]) المصدر نفسه، ص 24.

 

([14]) سعد الدين ابراهيم، "المجتمع المدنى والتحول الديمقراطى فى الوطن العربى"، كتاب الديمقراطية (القاهرة: مركز دراسات التنمية السياسية والدولية، ديسمبر 1991) ص 9.

 

([15]) ايليا حريق، "التراث العربى والديمقراطية: الذهنيات والمسالك"، المستقبل العربى، السنة 22، العدد 251 (يناير 2000)، ص 7.

 

([16]) المصدر نفسه.

 

([17]) المصدر نفسه، ص 8.

 

([18]) علي أسعد وطفة، بنية السلطة واشكالية التسلط التربوى فى الوطن العربى (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1999)، ص 23.

 

([19]) المصدر نفسه، ص 24.

 

([20]) المصدر نفسه.

 

([21]) نور فرحات، البحث عن العدل (السلطة والقانون والحرية)، (القاهرة: مجلة سطور، 2000)، ص 66-67.

 

([22]) حليم بركات، المجتمع العربى فى القرن العشرين . . بحث فى تغير الأحوال والعلاقات (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 628-629.

 

([23]) ايليا حريق، المصدر نفسه، ص 17.

 

([24]) محمد عابد الجابرى، العقل السياسى العربى، محدداته وتجلياته، نقد العقل العربى، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 356.

 

 

 

([25]) حليم بركات، المجتمع العربى فى القرن العشرين . . بحث فى تغير الأحوال والعلاقات، ص 19-20.

 

([26]) المصدر نفسه، ص 19.

 

([27]) المصدر نفسه، ص 18.

 

([28]) خلدون حسن النقيب، الدولة التسلطية فى المشرق العربى، ص 188.

 

([29]) المصدر نفسه، ص 202.

 

([30]) أمانى قنديل، "الجمعيات الأهلية والمجتمع المدنى فى العالم العربى"، كتاب الديمقراطية، العدد الثانى (فبراير 1992)، ص 52.

 

([31]) المصدر نفسه.

 

([32]) Max Weber, the theory of Social and Economic Organization, translated by A,M, Henderson and Talcott Parsons (New York: Free Press, 1964).

 

([33]) على خليفة الكوارى (محرر)، المواطنة والديمقراطية فى البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية – مشروع دراسات الديمقراطية فى البلدان العربية، 2001).

 

([34]) عبد الإله بلقزيز، "نحن والنظام الديمقراطى"، المستقبل العربى، السنة 21، العدد 236 (أكتوبر 1998)، ص 79.

 

([35]) فى العلاقة بين الديمقراطية والتحولات الاقتصادية أنظر:

 

Georg Sorensen, Democracy and Democratization: Processes and Prospects in Changing World (U.S.A: West View Press, Ist published, 1993).

 

([36]) برهان غليون، "نهاية عصر التصحيح والاصلاح العربى"، الاتحاد الاماراتية، 17/12/2003، ص 24.

 

([37]) جمال عبد الجواد (وآخرون)، التحول الديمقراطى المتعثر فى مصر وتونس (القاهرة: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، 1998)، ص 35.

 

([38]) على خليفة الكوارى (معد ومحرر)، الخليج العربى والديمقراطية نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعى الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 22.

 

([39]) خلدون حسن النقيب، "محنة الدستور فى الوطن العربى: العلمانية والأصولية وأزمة الحرية"، المستقبل العربى، السنة 17، العدد 184 (يونيو 1994)، ص 36.

 

([40]) المصدر نفسه.

 

([41]) فاتح سميح عزام، "الحقوق المدنية والسياسية فى الدساتير العربية"، المستقبل العربى، السنة 24، العدد 277 (مارس 2002)، ص 22-23.

 

([42]) المصر نفسه، ص 25. وأنظر تفاصيل أخرى فى الجانب الدستورى فى:

 

Khaldoun H. Al-Naqeeb, “Constitutional Crisis as an Indicator of Political Conflicting in Kuwait, 1963-1986,” (Boston, U.S.A., 1986).

 

([43]) نادر فرجانى، "الحكم لصالح: رفعة العرب فى صلاح الحكم فى البلدان العربية"، المستقبل، السنة 23، العدد 256 (يونيو 2000)، ص 14-15،

 

United Nations Development Programme [UNDP], Human Development Report, 1990 (New York: Oxford University Press, 1990),

 

أنظر كذلك:

 

Behind Closed Doors, Torture and Detention in Egypt, A Middle East Watch Report, 1992).

 

([44]) غازى الصورانى، "العولمة وطبيعة الأزمات فى الوطن العربى . . وآفاق المستقبل"، المستقبل، السنة 26، العدد 293 (يوليو 2003)، ص 111.

 

([45]) عمار على حسنى، التكافؤ الاقتصادى والديمقراطية، كراسات استراتيجية، السنة 14، العدد 135 (يناير 2004)، ص 18.

 

([46]) الصورانى، ص 111-115.

 

([47]) المصدر نفسه، ص 101.

 

([48]) الطاهر لبيب، "علاقة المشروع الديمقراطى بالمجتمع المدنى العربى"، فى: المسألة الديمقراطية فى الوطن العربى، سلسلة كتب المستقبل العربى (19)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 226.

 

 

 

(49) Ralph, Miliband, the State in Capitalist Society (London: Weidenfeld and Nicolson, 1969), PP. 49-55.

 

([50]) عماد فوزى شعيبى، "نقد أسطورة الديمقراطية من دولة الاكراه إلى دولة الديمقراطية"، عالم الفكر، العدد 3، المجلد 30 (يناير/مارس 2002)، ص 205.

 

([51]) المصدر نفسه

 

([52]) برهان غليون، "بناء المجتمع المدنى: دور العوامل الداخلية والخارجية" فى المجتمع المدنى فى الوطن العربى ودوره فى تحقيق الديمقراطية، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التى نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1992)، ص 752.

 

([53]) محمود المراغى، "خرج ولم يعد . . حكاية المليارات الهاربة"، وجهات نظر، العدد 45 (أكتوبر 2002)، ص 20.

 

([54]) نزيه نصيف الأيوبى، الدولة المركزية فى مصر، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1989)، ص 202.

 

([55]) على عوض، القيود التى فرضها القانون (100) على النقابات المهنية، الأهرام، 21/11/2003، ص 13.

 

([56]) نادر فرجانى، "الحكم الصالح، رفعة العرب فى صـلاح الحكم فى البلدان العربيـة"، المستقبـل، السنة 23، العـدد 256 (يونيـو 2000)، ص 11.

 

([57]) Michael Hudson: “The Democratization Process in the Arab World: An Assessment,” and after the Gulf War: Prospects for Democratization in the Arab World,” Middle East Journal, Vol. 45, no.3 (Summer 1991).

 

([58]) غسان سلامة، أين هم الديمقراطيون؟"، ديمقراطية من دون ديمقراطيين (بيروت: مركز دراسات لوحدة العربية، 1995، ص 23-24 مما يذكر أن الرأى العام فى مصر انشغل فى ديسمبر 2003 بقضية أحد المواطنين فى محافظة الشرقية اعتقلته أجهزة الشرطة

 

 

 

لأنه كتب على أحد الحوائط عبارة "لا لتوريث الحكم". وقد أصر المواطن على رأيه وطالب بعدم اعتباره مجنوناً. وبعد عدة أيام نشرت الصحف أن الرئيس مبارك تدخل وتم الافراج عن المواطن. أنظر التفاصيل فى: الوفد، 6 ديسمبر 2003، ص 3.

 

([59]) راسم محمد الجمال، الاتصال والاعلام فى الوطن العربى (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991)، ص 70-71.

 

([60]) حليم بركات، المجتمع العربى فى القرن العشرين، ص 35.

 

([61]) على خليفة الكوارى (محـرر)، الديمقراطية والأحزاب فى البلدان العربية (بيروت: مركز دراسات الوحـدة العربية، 1999)، ص 63-64. ويحضرنا فى هذا السياق حادث له مغزاه، ففى انتخابات رئاسة الجمهورية فى تونس فى عام 1994، رشح المفكر التونسى المنصف المرزوقى نفسه فى الانتخابات كمنافس للمرشح الوحيد للتجمع الدستورى الديمقراطى الحاكم دون انقطاع منذ حصول تونس على استقلالها فى عام 1956. وبمجرد أن انتهت الانتخابات ألقى الرئيس بن على القبض على المرزوقى لأنه تجاسر وارتكب هذا الفعل الذى لا يغتفر فى بلد يحقق فى انتخاباته أغلبية تصل إلى 99.12% من لأصوات. أنظر: مصطفى كامل السيد، "الليبرالية الجديدة ومفهوم العدالة" فى: نازلى معوض أحمد (محرر)، الليبرالية الجديدة، (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 2000)، ص 97.

 

([62]) محمود عبد الفضيل، "الفساد وتداعياته فى الوطن العربى"، المستقبل العربى، السنة 22، العدد 243 (مايو 1999)، ص 5-7.

 

([63]) المرسى السيد حجازى، "التكاليف الاجتماعية للفساد"، المستقبل العربى، السنة 23، العدد 266 (أبريل 2001)، ص 29.

 

([64]) عمار على حسن، التكافؤ الاقتصادى والديمقراطية، المصدر نفسه، ص 24.

 

([65]) محمد السيد سعيد، "حقوق الإنسان ومشكلة الحداثة والتحديث فى مصر . . نظرة عامة لمسار حقوق الإنسان"، فى: حقوق الإنسان فى مصر (القاهرة: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، 1993)، ص 124.

 

([66]) المصدر نفسه، ص 134.

 

([67]) وحيد عبد المجيد، "أزمة الحكم والمعارضة فى نظام تعددى مقيد . . حالة مصر" فى: نازلى معوض أحمد (محرر)، الليبرالية الجديدة، أعمال الندوة المصرية – الفرنسية السادسة 18-20 مايو 1995 (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية بكلية الاقتصاد، جامعة القاهرة، 2000)، ص 297.

 

([68]) المصدر نفسه، ص 300.

 

([69]) فى هذا الموضوع حول "الدولة" أنظر:

 

Michael Williams, “Liberalism and two Conceptions of the State,” in: Douglas Maclean and Claudia Mills, eds., Liberalism Reconsidered (New Jersey: Rowman and Allanheld Publishers, 1983).

 

([70]) نادر فرجانى، "الحكم الصالح: رفعة العرب فى صلاح الحكم فى البلدان العربية"، المستقبل العربى، السنة 23، العدد 256 (يونيو 2000)، ص 8.

 

([71]) محمد جابر الأنصارى، "الدولة القطرية: هل يمكن بناء ديمقراطية راسخة قبل ترسيخ دولة مكتملة النمو تحتمل تعدياتها؟"، المستقبل العربى، السنة 16، العدد 175 (سبتمبر 1993)، ص 79-80.

 

 

 

([72]) حليم بركات، المجتمع العربى فى القرن العشرين، ص 487.

 

([73]) غسان سلامة، "أين هم الديمقراطيون"، فى ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ص 11.

 

([74]) المصدر نفسه، ص 13.

 

([75]) محمد عابد الجابرى، الخطاب العربى المعاصر . . دراسة تحليلية نقدية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، 1992)، ص 102.

 

([76]) المصدر نفسه.

 

([77]) نقلاً من: عاطف العقلة عضيبات، "الدين والتغير الاجتماعى فى المجتمع العربى الإسلامى: دراسة سوسيولوجية فى الدين فى المجتمع العربى (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1990)، ص 144.

 

([78]) الطاهر لبيب، "علاقة المشروع الديمقراطى بالمجتمع المدنى العربى"، فى: المسألة الديمقراطية فى الوطن العربى، سلسلة كتب المستقبل العربى (19)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 204.

 

([79]) حسن حنفى، طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد، قراءة جديدة للكواكبى، ص 26.

 

([80]) هالة مصطفى، الدولة والحركات الإسلامية المعارضة بين المهادنة والمواجهة فى عهدى السادات ومبارك (القاهرة: كتاب المحروسة، 1996)، ص 152.

 

([81]) ايليا حريق، "التراث العربى والديمقراطية: الذهنيات والمسالك"، ص 14-15.

 

([82]) حليم بركات، المجتمع العربى فى القرن العشرين، ص 491.

 

([83]) صادق جلال العظم، نقد الفكر الدينى (بيروت: دار الطليعة، 1969)، ص 45-46.

 

([84]) فؤاد عبد السلام الفارسى، الأصالة والمعاصرة . . المعادلة السعودية (جدة: شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر، بدون تاريخ)، ص 460، وقد عين الفارسى وزيراً للاعلام فى السعودية فى عام 1995.

 

([85]) المملكة العربية السعودية فى المحيط الدولى، كتاب وزارة الاعلام، 2002.

 

([86]) أنظر مناقشات:

 

Gustave Edmund Von Grunebaum, Islam: Essays in the Nature and Growth of a Cultural Tradition (New York: Barnes and Noble, 1991).

 

([87]) أحمد كمال أبو المجد، "حول الخطاب الدينى المعاصر"، وجهات نظر، العدد 38 (مارس 2002)، ص 5.

 

([88]) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الدينى (القاهرة: مكتبة مدبولى، 1995)، ص 116.

 

([89]) حسن حنفى، ص 26.

 

([90]) عاطف العقلة عضيبات، "الدين والتغير الاجتماعى فى المجتمع العربى الإسلامى: دراسة سوسيولوجية"، ص 147-148. ونذكر بأنه كانت هناك فتوى من الأزهر فى عام 1961 باتفاق القوانين الاشتراكية مع مبادئ الإسلام.

 

([91]) أحمد كمال أبو المجد، ص 7.

 

([92]) خديجة صفوت "البعد الايكولوجى للايديولوجيا، فى الدين فى المجتمع العربى"، ص 272.

 

([93]) غسان سلامة، ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ص 12.

 

([94]) وليد نويهض، "الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية" فى: على خليفة الكوارى (محرر)، الحركات الإسلامية والديمقراطية . . المواقف والمخاوف المتبادلة (الكويت: دار قرطاس للنشر، 2000)، ص 46.

 

([95]) المصدر نفسه، ص 49.

 

([96]) Aziz Al-Azmeh: “Islam as a political Category,” paper presented at: the XVtg World IPSA Congress, 1991 (draft, mimeo); “Islamic Revivalism and western ideologies,” and “the Discourse of Cultural Authenticity: Islamic Revivalism and Enlightenment Universalism.

 

* بخصوص الموقف من حرية التعبير نشير إلى قضية شغلت الرأى العام فى مصر وكانت لها أصداء فى الخارج وهى قضية دكتور نصر حامد أبو زيد، حيث قضت محكمة استئناف القاهرة بالتفريق بين هذا الأستاذ الجامعى وزوجته لما ثبت فى مدونات حكمها من ردة الزوج. وأيدت محكمة النقض ذلك فى 5/8/1996. ويقول محمد سليم العوا، أنه كان من الأجدى للرد على مؤلفات وآراء نصر أبو زيد أن يتم عقد مجلس علمى محترم لمناقشة حججه وأدلته بدلاً من نقل الموضوع إلى دائرة القضاء. ويشير العوا إلى أن الجدل الذى أثير حول القضية تضمن أن حكم المحكمة جاء تهديداً لحرية الفكر والاعتقاد فى مصر مما يسىء إلى سمعتها والتزاماتها الدولية. كذلك ينقل العوا عن مصادر عديدة أكدت أن حكم المحكمة – بالتفريق بين أبو زيد وزوجته بعد محاكمته على آرائه ومعتقداته جاء بمثابة اعلان للدولة الدينية فى مصر. أنظر: محمد سليم العوا، الحق فى التعبير (القاهرة: دار الشروق، 1998)، ص 7-11.

 

([97]) وليد نويهض، الإسلاميون والدولة والمسألة الديمقراطية، ص 48.

 

([98]) غسان سلامة، فى ديمقراطية من دون ديمقراطيين، ص 18-19.

 

([99]) أنظر مقال: أحمد راسم النفيس فى: القاهرة، 23/3/2004.

 

([100]) نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الدينى، ص 117.

 

([101]) بومدين بوزيد، "الفكر العربى المعاصر واشكالية الحداثة"، فى: قضايا التنوير والنهضة فى الفكر العربى المعاصر (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، سلسلة كتب المستقبل العربى (18)، 1999)، ص 26.

 

([102]) مستقاة من: حسن حنفى، قراءة جديدة للكواكبى، ص 27.

 

([103]) المصدر نفسه.

 

([104]) حليم بركات، المجتمع العربى فى القرن العشرين، ص 299.

 

([105]) العياشى عنصر، "سوسيولوجيا الأزمة الراهنة فى الجزائر"، المستقبل العربى، السنة 17، العدد 191 (يناير 1995)، ص 86.

 

([106]) غازى الصورانى، "العولمة وطبيعة الأزمات فى الوطن العربى . . وآفاق المستقبل"، المستقبل العربى، السنة 26، العدد 293 (يوليو 2003)، ص 111.

 

([107]) Economic Research forum for the Arab Countries, Iran and Turkey [ERF], Economic Trends in the MENA Region, 2002 (Cairo: ERF, 2002).

 

(108) H. Adams and J. Page, “Holding the Line: Poverty Reduction in the Middle East and North Africa, 1970-2000,” Paper Presented at: the 8th Annual Conference of the Economic Research Forum for the Arab Coutries, Iran and Turkey, Cairo, 14-16 January 2002.

 

([109]) اعتبر (هانتجتون) أن الفقر عقبة أمام التطور الديمقراطى، وأن العقبات التى تعوق التنمية هى عقبات أمام التحول الديمقراطى، أنظر:

 

Samuel Huntington, the third wave of Democratization in the twentieth Century, (U.S.A: University of Oklahoma Press 1st published, 1991).

 

([110]) تقرير حال الأمة لعام 1999 فى: المستقبل العربى، السنة 23، العدد 255 (مايو 2000)، ص 166.

 

([111]) على الكنز، عبد الناصر جابى، "الجزائر . . البحث عن كتلة اجتماعية جديدة" فى: على الكنز (وآخرون)، المجتمع والدولة فى

 

الوطن العربى (القاهرة: داكار، مكتبة مدبولى، 1998)، ص 52-53.

 

([112]) اسماعيل قيرة، "مجتمع التهميش . . إلى أين؟ مهمشوا المدينة العربية نموذجاً"، المستقبل العربى، السنة 25، العدد 290 (أبريل 2003)، ص 63.

 

([113]) المصدر نفسه، ص 73.

 

([114]) عزت حجازى، الفقر فى مصر (القاهرة: المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، 1996)، ص 171.

 

([115]) المصدر نفسه، ص 117-119، ومن المراجع التى تناولت تفصيلات تاريخية مهمة أنظر:

 

Anouar Abdel Malek, Egypt: Military Society, the army Regime, the left, and Social change under Nasser, translated by Charles Lam Markmann (New York: Random House, 1968).

 

([116]) أمانـى مسعـود الحدينى، المهمشون والسياسة فى مصـر (القاهرة: مركـز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1999)، ص 261.

 

([117]) عمار على حسن، التكافؤ الاقتصادى والديمقراطية، كراسات استراتيجية، السنة 14، العدد 135، يناير 2004، ص 21.

 

([118]) المصدر نفسه، ص 221.

 

([119]) عبد الخالق عبد الله، "البعد السياسى للتنمية البشرية: حالة دول مجلس التعاون الخليجى"، السنة 25، العدد 290 (أبريل 2003)، ص 95، 117 ، 121.

 

([120]) على خليفة الكوارى (معد ومحرر)، الخليج العربى والديمقراطية . . نحو رؤية مستقبلية لتعزيز المساعى الديمقراطية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص 97.

 

([121]) المصدر نفسه، ص 69.

 

([122]) المصدر نفسه، ص 70.

 

([123]) عبد الله جناحى، "العقلية الريعية وتعارضها مع مقومات الدولة الديمقراطية"، المستقبل العربى، السنة 25، العدد 288 (فبراير 2003)، ص 56.

 

([124]) المصدر نفسه، ص 66.

 

([125]) المصدر نفسه، ص 67 وللتوسع أنظر:

 

Giacomo Luciani, “Allocation vs. Production States: A theoretical framework” in: Hazem Beblawi and Giacomo Luciani, eds., the Retier State (London” Croom Helm, 1987).

 

([126]) يتم تعريف مفهوم "التنمية الإنسانية" الذى تبناه برنامج الأمم المتحدة الانمائى منذ عام 1990 بأنه "عملية توسيع خيارات البشر" وذلك استناداً إلى فكرة محورية هى "أن البشر هم الثروة الحقيقية للأمم" أنظر: نادر فرجانى، "التنمية الإنسانية" "المفهوم والقياس"، المستقبل العربى، السنة 25، العدد 283 (سبتمبر 2002)، ص 67-68.

 

([127]) المصدر نفسه، ص 70.

 

([128]) برهان غليون، "أزمة الديمقراطية وحقوق الإنسان فى الوطن العربى"، فى: الديمقراطية والتربية فى الوطن العربى (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص 129.

 

([129]) محمد نور فرحات، البحث عن العدل (السلطة والقانون والحرية)، (القاهرة: مجلة سطور، 2000)، ص 39.

دكتورة. ثناء فؤاد عبد الله

تاريخ الماده:- 2004-06-15

 

No ratings yet - be the first to rate this.

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.