الاكتئاب

الاكتئاب

 

الاكتئاب.. وغزارة الفن والإبداع

رضا ابراهيم محمود

مصر


 

لقد أكدت عدد من الدراسات الحديثة أن الأمزجة وأنماط الإدراك المقترنة باضطرابات نفسية، يمكنها أن تعزز الطاقة الإبداعية، وذلك عند بعض الأفراد، إذ إن الفنانين والأدباء والمؤلفين وكذلك الموسيقيين، كانوا في الغالب يعانون من مرض الاكتئاب أو مرض الاكتئاب عالي الشدة، وتم معرفة ذلك من خلال مطالعة رسائلهم ومذكراتهم اليومية، وكذلك سجلاتهم الطبية، وأيضاً ما كتبه عنهم الأصدقاء وأفراد عائلاتهم، فمن واقع مذكرات أحد الفنانين يؤكد قائلاً: (لقد اعتبرني الناس مجنوناً، ولكن لم يثبت بعد إن كان الجنون هو أرفع درجات الذكاء أم دون ذلك، أو إن كان كل ما هو رائع، وكل ما هو عميق، نابعاً من سقم في الفكر أو من حالات مزاجية للعقل تعلو على حساب القدرات الفكرية العامة).
 
تقلبات في المزاج والسلوك
مما لا شك فيه أن مرض الاكتئاب مع كونه شائع الحدوث إلى حد ما ولكنه على الرغم من ذلك، فهو قابل للمعالجة، إلا أنه دوماً ما يؤدي إلى الموت، فقد يتسبب الاكتئاب، وهو داء جيني وراثي إلى حد بعيد، بنقل المصابين به مراراً من حالات اكتئابية إلى حالات تتسم بنشاط مفرط وشعور بالانشراح، أو حالات يغلب عليها سرعة الاهتياج، أما في الحالات المعتدلة من الاكتئاب التي يطلق عليها اسم المزاجية الدورية فتنتاب المصاب به تقلبات واضحة في المزاج والسلوك والنوم وأنماط التفكير ومستويات الطاقة، وذلك من دون أن تؤدي إلى العجز التام، وتتميز الحالات المتقدمة فيها بنوبات دورية مأساوية.
فالطب الحديث أثبت أن الاكتئاب والإبداع يغشيان بعض العائلات، كما أن البحوث التي أجريت على التوائم توفر دليلاً قاطعاً على قابلية توريث مرض الاكتئاب، ففي حالة ما إذا كان أحد التوأمين المتماثلين مصاباً بمرض الاكتئاب، فإن احتمال إصابة التوأم الآخر بالمرض نفسه يقع بين سبعين إلى مئة بالمئة.
 
يسهم في خلق الإبداع
أشارت دراسات حديثة إلى أن عدداً كبيراً من الفنانين المبدعين يحققون المعايير التشخيصية للاكتئاب الواردة في الطبعة الرابعة من الكتاب الإحصائي والتشخيصي للأمراض العقلية، ويبدو أن هذا المرض يمكنه في بعض الأحيان أن يسهم في خلق الإبداع لدى بعض الناس، كما وثَّق العلماء على مدى سنوات عديدة وجود نوع من الارتباط بين الهوس والاكتئاب والإنجازات الخلاقة، ففي الفترة التي بين أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، التفت نفر من الباحثين إلى التمعن في أوصاف عن اضطرابات مزاجية كتبها كبار من الفنانين بخط أيديهم مع كتابات أخرى من أطبائهم وأصدقائهم المقربين.
وعلى الرغم من أن تلك الكتابات كان يغلب عليها الطابع القصصي، إلا أنها قدمت إيحاء قوياً بأن الأدباء والفنانين ومؤلفي الموسيقى المشهورين وأقرباءهم من الدرجة الأولى كانوا أكثر عرضة للمعاناة من الاضطرابات في الأمزجة ومن ثم الإقدام على الانتحار من عامة البشر، فخلال آخر عقدين من الزمان أكدت دراسات أكثر منهجية أجريت على مجموعة كبيرة من الفنانين مدى صحة تلك النتائج، ويمكن للتحاليل التشخيصية والسيكولوجية للكتاب والفنانين الأحياء أن تعطي تقديرات ذات مغزى عن معدلات وأنماط الحالات المرضية النفسية التي يعانونها كذلك. 
 
دراسات دقيقة ومقابلات منهجية
في سبعينات القرن الماضي قامت جامعة (أيوا) بالانتهاء من أول تلك الدراسات الدقيقة للغاية المتعلقة بالإبداع والاكتئاب، مستفيدة من أساليب المقابلات المنهجية ومقارنات المجموعات الشاهدة المؤكدة، والتي تم مطابقتها بالعديد من المعايير التشخيصية الصارمة، فقد تم فحص ما يقرب من ثلاثين أديباً مبدعاً فوجدت نتائجها أنه ينتاب معظمهم اضطرابات مزاجية بنسب عالية، كما وجدت بينهم عدداً كبيراً من المدمنين على الكحول.
كما بينت نفس الدراسات أن ثمانين بالمئة منهم قد عانوا نوبة واحدة على الأقل من نوبات الاكتئاب الشديد أو الهوس الخفيف أو الهوس التقليدي، كما ذكر ثلاثة وأربعون بالمئة منهم أن له تاريخاً مرضياً عن هوس تقليدي أو هوس خفيف، كذلك وجدت نفس الدراسة والقائمون عليها، أن أقرباء هؤلاء الأدباء حققوا عموماً أعمالاً إبداعية تفوق ما حققه أقرباء أفراد المجموعة الشاهدة، وأنهم غالباً ما كانوا يعانون اضطرابات في أمزجتهم.
 
جوخ.. عانى الصرع والاكتئاب
عقب وفاة الرسام الهولندي الشهير ذائع الصيت وصاحب أعلى رقم في إنتاج اللوحات (فان جوخ)، قام عدد من الأطباء السريرين بتقييم تلك المشاكل النفسية والطبية التي كان يعاني منها، وتوصلوا إلى نتائج مهمة مفادها أنه كان يعاني مجموعة من الاضطرابات، أهمها الصرع والفصام والذهان الاكتئابي. وأورد المعهد الوطني للصحة العقلية، بتقديم حجج مفصلة، أن الأعراض التي كانت تظهر على الرسام الأشهر عالمياً والمسار الطبيعي لمرضه وتاريخ أفراد عائلته المتعلق بصحتهم النفسية، أشارت كلها بشكل قوي إلى أنه كان مصاباً بالاكتئاب.
وفي الوقت نفسه أظهرت البحوث التي أُجريت حول سيرة الأجيال السابقة من الفنانين والأدباء معدلات عالية من وقائع الانتحار والاكتئاب، فقد تجاوزت تلك المعدلات ثمان عشرة مرة ضعف نظائرها من حوادث الانتحار المشاهدة لدى عامة البشر، وما بين ثمانية إلى عشرة أضعاف معدل الإصابة بمرض الاكتئاب، وما بين عشرة إلى عشرين ضعفاً من معدل الإصابات بمرض الاكتئاب أو بأشكال أخرى لذلك المرض أخف وطأة منه.
وقد توصل الباحثون في جامعة (هارفارد) إلى أن قرابة نصف فناني التعبير التجريدي الخمسة عشر الذين عاشوا في القرن العشرين والذين تناولتهم الدراسة، كانوا يعانون من مرض الاكتئاب، كما كان معدل حوادث الانتحار في هذه المجموعة يساوي ما لا يقل عن ثلاثة عشر ضعف معدلها في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن خلال مسح في عام 1992م نشر في جامعة (كنتاكي) لسير حياة ألف وخمسة من مشاهير الفنانين والكتاب والمثقفين في القرن العشرين، الذين خضع بعضهم للمعالجة من اضطرابات في الأمزجة، عانى هؤلاء الفنانين والأدباء من العصاب، بجانب محاولات الانتحار واضطرابات المزاج والإسراف المادي بنسبة تبلغ ضعفي أو ثلاثة أضعاف أقرانهم من أولئك الناجحين في مجالات العمل والعلم ونواحي الحياة العامة الأخرى.

 

شعراء ارتادوا مصحات نفسية
عانى الشعراء في الغالب من خلال عينات درست من كافة جوانبها من الإصابة بالهوس أو الذهان، كما أن معظمهم ارتادوا المصحات النفسية! وقد تبين أيضاً أن احتمال إقدامهم على الانتحار يفوق عشرة أضعاف ما لدى عامة البشر، وأثناء دراسة شاملة لسير حياة ستة وثلاثين حالة من كبار الشعراء البريطانيين الذين ولدوا في الفترة التي ما بين أوائل القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر الميلادي، وجدت معدلات عالية مماثلة من الإصابات بالذهان والأمراض النفسية التي اتسمت بالحدة الكبيرة.
وفي جامعة (تينيسي) قابل أحد الخبراء أدباء وشعراء ورسامين ونحاتين في قارة أوروبا، كانوا جميعاً من حملة الجوائز في مجال تخصصهم، وقد وجد أن ما يقارب ثلثي من تمت مقابلتهم كانوا قد أبدوا حالات من المزاجية الدورية، أو من الهوس الخفيف المتكرر، كما أن نصفهم كان قد عانى في وقت من الأوقات اكتئاباً شديد الحدة، وقد لوحظ أثناء تلك المقابلات وجود المشكلات نفسها لدى الأحياء من مؤلفي موسيقى الشجن؛ إذ إن هؤلاء الفنانين كان لديهم استعداد وتحفيز للإصابة بمرض الاكتئاب بمعدل يفوق ثلاثين مرة نظيره لدى معاصريهم، كما أن معدل دخولهم إلى المصحات النفسية كان أعلى بنحو عشرين ضعفاً، وأن ومعدل محاولات انتحارهم كانت أعلى بنحو خمس مرات مما هي الحال لدى عامة البشر، هذا وقد أيدت نفس الدراسات الموثقة حقيقة أن الأفراد المبدعين للغاية يعانون من اضطرابات مزاجية رئيسة بمعدلات تفوق كثيراً ما تعانيه المجموعات الأخرى من عامة الأفراد.
 
هوس خفيف أفضى لتفكير أصيل
توجد هناك أسئلة تطرح نفسها مفادها: كيف يسهم المرض النفسي والاكتئاب في الأعمال والإنجازات الإبداعية؟ فقد يبدو أن السمات العامة للهوس الخفيف تفضي بقوة إلى التفكير الأصيل، كما تتضمن المعايير التشخيصية لهذا الطور من الاضطراب النفسي تفكيراً حاداً وخلاقاً فوق العادة، وارتفاعاً في الإنتاجية، كما توحي الأدلة المتراكمة بأن الأشكال المعرفية المصاحبة للهوس الخفيف والمتسمة بالمبالغة والتكلف، يمكن أن تؤدي إلى طلاقة جياشة وتواتر عال في الأفكار وفي غزارتها، فالملاحظ أن الفنانين يرددون كلمات خاصة بهم بتكرار يقارب ثلاثة أمثال تكرارها عند الأفراد التقليديين، وفي بعض التمرينات النوعية ظهر أن بمقدورهم تقديم مترادفات أو تشكيل الترابط للكلمات بسرعة تفوق كثيراً السرعة التي يمكن اعتبارها عادية، لذلك يبدو أن الأفكار يتم بناؤها من الناحيتين الكم والكيف أثناء الهوس الخفيف. فيمكن أن تتراوح تلك الزيادة في السرعة بين التعجيل الخفيف للغاية، وبين عدم الترابط العصابي التام، ولكنه لم يتضح بعد السبب الذي يكمن وراء هذا التبدل الكيفي في المعالجة العقلية، إلا أن هذه الحالة المعرفية المتبدلة يمكن أن تسهل تكوين أفكار ومفردات من النوع الفريد، فالمصابون بالاكتئاب وأولئك المتألقون في ميادين الإبداع الفني والأدبي باتوا جميعاً يشتركون في سمات غير معرفية معينة، مثل القدرة على العمل بصورة جيدة مع قلة ساعات النوم، والتمتع بالتركيز الضروري للعمل الذي يتطلب وضعيات نفسية متأهبة ومواقف جريئة لا يقر لها قرار.
 
 انفعالية وارتياب وتأمل وتردد
بات من الواضح أن المظاهر اليومية للاكتئاب الأقل حدة قد تتمخض عن مزايا إبداعية عند بعض الأفراد؛ إذ إن المزاج الاكتئابي هو بالمعنى البيولوجي منظومة حساسة يقظة ترتكز بشكل قوي وسريع، ويستجيب هذا المزاج للعالم من حوله بتشكيلة واسعة من التغيرات الانفعالية والإدراكية والفكرية والسلوكية والطاقة الجياشة، لأن الاكتئاب بمعنى آخر من المعاني، لهو نظرة إلى العالم عبر زجاج أسود اللون، كما أن الهوس هو ما يشاهد من خلال نفس الزجاج ولكن في الغالب ما يكون زاهياً ولكنه مكسور.
كما أن الاكتئاب يسوده الارتياب والتأمل مع التردد، لكن الهوس يغشاه حزم ويقين، وإن التنقلات المستمرة بين الأفكار الضيقة المحدودة والرحبة الشاملة، وبين الاستجابات اللطيفة والعنيفة، وبين الأمزجة المتجهمة والمبهجة، وبين المواقف العقلية العاطفية المنفتحة، وبين المواقف الفاترة والنارية، وبين السرعة والسلاسة التي يحدث بها الانتقال عبر هذه الخبرات والممارسات المتناقضة، قد تكون مؤلمة ومشوشة إلى حد كبير، ومع ذلك فإن مثل تلك الفوضى لدى أولئك الذين يقدرون على تجاوزها أو تشكيلها طوع إرادتهم، يمكن أن تولّد عندهم تآلفاً، ومع كل تلك التحولات فهو قد يكون مفيداً في الممارسات الإبداعية والخلاقة.
الأمزجة المتغيرة ونفاذ البصيرة
 لوحظ أن التغيرات الشديدة في المزاج تضخم من النزوع الطبيعي للنفس لامتلاك ذوات متعارضة؛ إذ إن الأمزجة المتقلبة من حال إلى حال، والتغيرات المعرفية المميزة لمرحلة الاكتئاب، يمكن أن تولف بين أمزجة وملاحظات ومدركات حسية متعارضة في الظاهر، فتلك التقلبات قد تعكس الحقيقة الكامنة في الطبيعة البشرية على نحو أدق مما تعكسه وجهة النظر الثابتة، وهكذا فإن الموقف الثابت من الحياة على حسب قول المتخصصين بدراسة إنتاج الشعراء، قد لا يكون موقفاً يتسم بنفاذ البصيرة بقدر ما يتمثل بالقدرة على تصوير ومعايشة التغير الدائم. 
 
الربط بين الإبداع واضطرابات المزاج
بدت النتائج الأخلاقية والاجتماعية للربط بين الإبداع واضطرابات المزاج ذات أهمية كبيرة للغاية، إلا أنها لم تفهم فهماً يتسم بالعمق، فبعض إستراتيجيات المعالجة لم تولي اهتماماً كافياً للفوائد التي يمنحها مرض الاكتئاب لبعض الأفراد، وما من شك في أن معظم المصابين بالاكتئاب يتمنون الشفاء منه في أقرب فرصة ممكنة، فقد ثبت أن العقاقير المضادة للاختلال النفسي تعد ناجحة للغاية للمصابين بالهوس والاكتئاب، إلا أنه قد اتضح أن تلك العقاقير مثل (الليثيوم) يمكن أن تقلل أو تحد من الطاقات الفكرية العامة في الفرد، وتقلل من مدى انفعالاته وإدراكه، ولذلك فإن كثيراً من مرضى الاكتئاب يقلع عن تناول ذلك العقار أو ما شابه ذلك من عقاقير أخرى.
وغالباً ما يصبح مصابو الاكتئاب سريعي الاهتياج، فيكون كلامهم سريعاً واستثارياً واقتحامياً، أما أفكارهم فتنتقل بسرعة كبيرة وانسياب من موضوع إلى آخر، وهم يؤمنون عادة وبرسوخ، بصحة أفكارهم الخاصة وبمدى أهميتها، ويمكن أن يسهم شعورهم بالعظمة في إطلاق أحكام هزيلة وفي الاتسام بسلوك متهور في ظاهره، ويتميز المصابون بالهوس والهوس الخفيف دوماً بعلاقات شخصية ومهنية مشوشة، ولديهم استعداد للتبذير أو لقيادة السيارات بتهور، أو الانخراط في مشاريع أعمال مشكوك في جدواها أو إقامة علاقات غرامية عابرة، وفي بعض الحالات يصاب المهووسون بهياج عنيف، وتنتابهم أفكار مضللة وهلاوس بصرية وسمعية على حد سواء
 

No ratings yet - be the first to rate this.

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.