تغيير الإطار وجدلية أداة – كائن/ موضوع

ديداكتيك الرياضيات

 

تغيير الإطار وجدلية أداة – كائن/ موضوع

تغيير الإطار وجدلية أداة – كائن/ موضوع

 

يواجه الباحث في الرياضيات مجموعة من المشاكل التي لم يسبق لأحد أن وجد لها حلولا. فتراه يستثمر لهذا الغرض مجموعة من المعارف الرياضية، بعضها مؤسسي ومشترك بين جماعة الرياضيين (هذا الفضاء مقعر أم لا؟ هذه الدالة متصلة أم لا؟) والبعض الآخر مرتبط بالأسئلة المطروحة والطرائق المختارة والممارسات الشخصية. ولحل الوضعيات المسألة،يعبئ الباحث أيضا مجموعة من الأشياء أو الكائنات (objets) الرياضية (الفضاء الطوبولوجي، الدوال المتصلة، التقعر...) والتي لها دلالة داخل المجال المدروس.

 

 

تغيير الإطار وجدلية أداة – كائن موضوع

ملاحظات أولية:

أ‌- يرتكز هذا العرض بالأساس على مقال الباحثة الفرنسية Regine Douady

والمنشور بالمجلة المتخصصة: Recherche en didactique des mathématiques

المرجع: R. DOUADY -1986 -Volume 7-2 – Recherche en Didactique des Mathématiques -La Pensée Sauvage.

 ب‌-الصيغة جذلية "الأداة-الكائن أو الموضوع" هي ترجمة شخصية للصيغة الفرنسية "dialectique outil-objet  وفي رأيي الخاص فإن مصطلح objet "" يعبر عن "الكائن" في بعض السياقات سنقف عندها خلال العرض ويعبر عن "الموضوع" عندما يكون الكائن موضوع دراسة.

أما المصطلح العربي المقابل لمصطلح "objet mathématique " حسب المعجم الصادر عن وزارة التربية الوطنية(1980) (1)، فهو "الكائن الرياضي". لذا ارتأينا استعمال المرادفين.

(1)   " مصطلحات الرياضيات في التعليم العام". معجم عربي فرنسي. مطبعة النجاح. الدار البيضاء.

        I. ابستمولوجيا المعرفة الرياضية

يقسم الباحثون في ديداكتيك الرياضيات المعرفة الرياضية إلى اربعة انواع حسب مجالات الاشتغال:

- المعرفة العالمة (عند الباحث أو المختص)

- المعرفة الرياضية في المقررات الدراسية

- المعرفة المدرسية التي يقدمها الأستاذ

- المعرفة المكتسبة من طرف التلميذ

II. عمل الباحث في الرياضيات

 يواجه الباحث في الرياضيات مجموعة من المشاكل التي لم يسبق لأحد أن وجد لها حلولا. فتراه يستثمر لهذا الغرض مجموعة من المعارف الرياضية، بعضها مؤسسي ومشترك بين جماعة الرياضيين (هذا الفضاء مقعر أم لا؟ هذه الدالة متصلة أم لا؟) والبعض الآخر مرتبط بالأسئلة المطروحة والطرائق المختارة والممارسات الشخصية. ولحل الوضعيات المسألة،يعبئ الباحث أيضا مجموعة من الأشياء أو الكائنات (objets) الرياضية (الفضاء الطوبولوجي، الدوال المتصلة، التقعر...) والتي لها دلالة داخل المجال المدروس.

جملة من هذه الأشياء تكون في وضع الأداة (outil): (المبرهنة: صورة فضاء مقعر بدالة متصلة هي فضاء مقعر).

وينسج الباحث أيضا شبكة من العلاقات بين مفاهيم تنتمي إلى نفس الإطار أو إلى إطارات مختلفة (جبري، هندسي، مبياني، تحليلي، عددي...). عملية تغيير الإطار عادة ما تؤدي بالباحث إلى إنتاج وابتكار مفاهيم وطرق جديدة، تسمى” أدوات“(outils) تجيب على حاجيات اللحظة.

    III.وضع الأداة ووضع الكائن لدى مفهوم رياضي
statut d’outil et statut d’objet pour un concept mathématique

يعتبر الرياضيون أنه من الضروري تقييم مدى وأهمية الأدوات التي عدلوها أو ابتكروها في سياق عملهم وعرضها على المجتمع الرياضي. من أجل ذلك تراهم يبحثون عن أفضل الصياغات الممكنة (formulation)

والتي تعزل هذه الأدوات عن السياق الخاص للنشأة وتقديمها في صيغة معممة تمكن لاحقا من إدخال تعديلات وتحويلات تؤدي إلى خلق أدوات مفاهيمية جديدة من طرف باحثين جدد وفي مجالات أخرى.

 statut d’objet أ‌-   وضع الكائن

يتم الإعلان إذن عن المعرفة الجديدة وقد نزع عنها كل ما يحيل على سياق النشأة أوعلي شخصية الباحث. فعادة ما تدمج هذه المعرفة في منظومة معرفية موجودة سابقا بحيث يصبح بإمكانها تغيير الهندسة العامة لهذه الأخيرة. وهكذا تصبح المعارف الجديدة في وضعية الكائن. وحسب ريجين دوادي فالكائن الرياضي هو موضوع ثقافي له مكانته وموقعه ضمن منظومة المعارف الرياضية العالمة (savoir savant) في فترة معينة ومعترف به اجتماعيا.

يعرف الكائن رياضيا باستقلال تام عن مجالات الاستعمال والتوظيف. وتمكن وضعية الكائن من رسملة المعرفة وتوسيع المنظومة المعرفية، كما تمكن أيضا من إعادة استثماره في مجالات جديدة وبعيدة كل البعد عن المجال الأصلي.

  ومن اجل ضرورات البحث، أي حل المسائل، يبتكر الباحثون في بعض الأحيان كائنات رياضية يكون الهدف منها ترتيب الأفكار والمعارف أو تعميم النتائج أو توحيد المسائل التي تحل عن طريق مفاهيم من نفس المجال كالجبر مثلا أو لأجل ضرورات العرض.

مثال: ظهور الأعداد العقدية

ظهرت في سياق البحث عن حلول للمعادلة من الدرجة الثالثة بمجهول واحد: ax3 + bx2 + cx + d =0  وفي حقبة كان معروفا فيها الأعداد الموجبة والأعداد السالبة، إنه القرن السادس عشر.

المشكل الذي طرح آنذاك كان كالتالي: كيف نفسر أنه لحل معادلة من الدرجة الثالثة وذات معاملات حقيقية، نحتاج إلى حساب جذور مربعة لأعداد سالبة؟ ما هو المعنى الذي ستأخذه هته الجذور والتي لا يمكن أن تكون أعدادا (لأن مربع عدد هو عدد موجب)؟

استطاعت هذه الأعداد أن تأخذ مشروعيتها من خلال صحة حلول المعادلة التي تمكن من إيجادها.

 ووجب انتظار نهاية القرن الثامن عشر ( ويسيل) وبداية القرن التاسع عشر ( كوس وفيما بعد كوشي) لكي يتم البناء الرياضي لهذه الأعداد وتنتقل إلى وضعية الكائن الرياضي ( statut d’objet )

 (statut d’objet) ب‌-  وضع الأداة 

يكون مفهوم معين في وضعية أداة عندما تدفعنا الحاجة إلى استعماله لحل المسائل، ويمكن لنفس الأداة أن تكون ملائمة لحل مسائل مختلفة، كما يمكن لأدوات مختلفة أن تكون ملائمة لحل نفس المسألة. وإذا كانت هذه الأداة مرتبطة بمفهوم في طور البلورة (العدد العقدي) فإنها تكون ضمنية implicite)). وتكون صريحة (explicite) إذا ارتبطت باستعمال واعي وإرادي لكائن رياضي محدد في حل مسألة ما.

إن البعد الأدواتي هو مكون من مكونات المفهوم الرياضي.

 مثال:

هل يوجد مربع مساحته  12 cm2 ؟

جواب تلميذ الابتدائي أو الإعدادي:

عندما يمر الضلع من 3cm إلى 4cm فإن المساحة ستمر لا محالة من 9 cm2 إلى 16 cm2 ، إذن توجد لحظة  تكون فيها المساحة  12 cm2.

2

ü  العلاقة بين أبعاد المربع ومساحته هي أداة معلنة لدى تلميذ الابتدائي والإعدادي.

ü  الدالة x®x2 واتصالها ومبرهنة القيم الوسيطية هي مفاهيم ضرورية لتبرير دفوعات التلميذ. هذه المفاهيم الرياضية المجهولة من طرف تلامذة الابتدائي والإعدادي تتدخل كأدوات ضمنية (outils implicites).

ü  بالنسبة ل Vergnaud، يتعلق الأمر بمبرهنات موجودة بالفعل. (théorèmes en acte)

IV. تغيير الإطار

أ‌- إذا نظرنا إلى تطور الرياضيات عبر التاريخ، نجد إن جزءا كبيرا من عمل الرياضيين يخصص ل:

- تأويل المسائل التي يبحثون فيها،

-       تغيير آرائهم نحوها (مثلا بالنسبة للمعادلات التفاضلية، هل نتبنى مقاربة تحليلية أو مقاربة جبرية)،

- تغيير في صياغة هذه المسائل،

-نقل هذه المسائل من إطار إلى آخر مع طرح تساؤلات جديدة تنسجم والإطار الجديد، (لم تحصل الجذور المربعة للأعداد السالبة على معنى إلا بعد الانتقال من الإطار العددي إلى الإطار الهندسي: مستوى Argand   ومستوى Gauss (المستوى العقدي)

 ب‌-       تعريف وخصائص:

ü   يتكون إطار ما من مجموعة كائنات رياضية وصيغها المتنوعة والتي تنتمي كلها إلى فرع واحد من فروع الرياضيات وكذلك العلاقات التي تجمع بين هذه الكائنات، ومختلف الصور الذهنية التي ترتبط بهذه الأخيرة وعلاقاتها. هذه الصور تلعب دورا أساسيا في توظيف كائنات إطار ما كأدوات.

ü    يمكن لإطارين أن يشتملا على نفس الكائنات لكن يختلفا في الصور الذهنية والإشكاليات التي يولدانها.

ü   الإطار دينامي بطبعه ويتطور في الزمن وحسب الفرد لكن لا يمكنه أن يتجاوز سقف المعرفة العالمة.

ü   في بعده الرياضي، يتأسس الإطار على كائنات رياضية من نفس الفرع ومن مختلف مستويات التعقيد، وبصياغات وعلاقات متنوعة، والتي تقتضي استعمال تشفيرات رمزية متنوعة.

مثال:

3

     

V. العملية التعليمية التعلمية لمادة الرياضيات

أ‌-        المعرفة المدرسية

يتلقى المدرس على العموم وعلى شكل مقررات دراسية لائحة بالكائنات الرياضية التي عليه أن يدرسها للمتعلمين مصحوبة بالتوجيهات التربوية (التعليمات الرسمية). ويكون المسؤول عن تنظيم هذه الكائنات لعرضها وتبليغها إلى التلاميذ، إذن عليه أن يقوم باختيارات وأن يتخذ قرارات في هذا الشأن.

هذه الأخيرة تخضع لمختلف التصورات التي يحملها هذا المدرس.

ب‌-     كيف تقدم المعرفة المدرسية؟

السيناريو الأول:

  يعرض المدرس، في انسجام مع المحتويات المقررة للتلاميذ في مستوى معين، مجموعة من الكائنات الرياضية، وهذا يجعله أمام اختيارين: 

-          يتطلب الاختيارالأول من المدرس عرض التعاريف والمبرهنات والخاصيات والبراهين والخوارزميات والأمثلة بمعزل عن أي سياق، وما على التلميذ إلا ان يستوعب الدرس ويطبقه في حل التمارين والمسائل. مما يجعل التلميذ مسؤولا عن إعطاء معنى للكائنات الرياضية المقدمة إليه لتصبح أدوات للاستعمال عند الحاجة.

-          الاختيارالثاني: على الأستاذ أن يقدم لتلامذته العدد الكافي من النماذج (les prototypes) وأن يركز على تطوير طرق الاستعمال. سيكون في هذه الحالة مجبرا على إعطاء الأولوية لتدريس الخوارزميات مع تقليص في مجالات الاستعمال.

يكتسب التلاميذ في هذه الحالة معارف-فعل (savoirs-faire) لصيقة بالمجالات المعروضة ويصعب نقلها إلى مجالات أخرى.

السيناريو الثاني:

يعيد الأستاذ هنا تأسيس سياق مشابه لسياق نشأة الكائن الرياضي: يختار أو يكيف أو يبني مسألة تستدعي دراستها استحضار الموضوع الرياضي المستهدف بالتدريس.

  1. على التلاميذ أن يقوموا بدراسة الوضعية المسألة المقترحة.
  2. الوسائل الرياضية المستعملة ستكون في وضعية الأدوات، بعضها ضمني والآخر صريح أو معلن.

أ‌- الاقتراحات

1) على مستوى التعليم:

على التعليم أن يدمج ضمن هيكلته التنظيمية فترات تلعب فيها جماعة القسم دور مجتمع مصغر للباحثين وهم يمارسون نشاطهم.

2) على مستوى الوضعية:

هيكلة تنظيمية جديدة للوضعية التعليمية التعلمية مبنية على ثلاثة محاور:

-       جذلية أداة – كائن/موضوع

-       جذلية قديم – جديد

-       لعبة الإطارات (jeu de cadres)

تقتضي هذه العناصر الاعتماد عل مسائل تحمل المواصفات التالية:

3)        على مستوى المسائل:

-       نص المسألة يحمل معنى بالنسبة للتلميذ؛

-       قدرة التلميذ على الانخراط في عملية البحث عن حل؛

-       عدم تمكن التلميذ من الحل مباشرة بالاعتماد على مكتسباته فقط؛

-       ضرورة تمكن التلميذ من أن يقرر هل حله ملائم أم لا من خلال الوضعية؛

-       المعرفة التي نريد تعليمها هي الأكثر ملاءمة لحل المسألة،

-       يمكن صياغة المسألة ضمن إطارين مختلفين على الأقل.

4)    جذلية أداة – كائن/موضوع (Dialectique outil-objet )
يقترح الأستاذ على تلامذته وضعية مسألة مختارة بعناية، ونعني بجذلية أداة - كائن / موضوع،  المسلسل التالي المكون من ستة مراحل:

 ü   المرحلة 1"القديم": يعبأ التلميذ عدة مفاهيم رياضية كأدوات معلنة لحل المسألة جزئيا على الأقل. يتبنى التلاميذ هذه المسألة وينخرطون في عملية البحث.

ü   المرحلة 2 "البحث عن ضمني جديد": تدفع صعوبة الحل التلاميذ إلى البحث عن وسائل جديدة ملائمة للحل. يمكن لعملية تغيير الإطار أن تساعد على توظيف أدوات ضمنية،

 ü   المرحلة 3 : مأسسة جزئية أو محلية:  تكون بعض العناصر التي استعملها التلاميذ في المرحلة الأولى قد لعبت دورا حاسما في المرحلة الثانية، سيتبناها التلاميذ ويصوغونها بشكل صوري، إما على شكل كائنات أو عل شكل طريقة. يمكن كذلك أن يتعلق الأمر بقناعات كانت موضوع نقاش وأدت إلى إنتاج صياغات صورية مبررة. يتعلق الأمر هنا "بأدوات جديدة معلنة" يمكن إعادة استعمالها والتعود عليها.  

تكون في هذه المرحلة كل أعمال التلاميذ واقتراحاتهم محط نقاش جماعي.

ü   المرحلة 4: المأسسة-وضع الكائن (statut d’objet)
يعرض الأستاذ المعارف الجديدة. ينظم ويهيكل التعاريف والمبرهنات والبراهين مع التنبيه إلى ما هو أساسي وما هو ثانوي. ويكون من مسؤوليته إسناد وضع الكائن (statut d’objet) للمفاهيم الجديدة التي استعملت كأدوات لحل المسألة.

ü    المرحلة 5: الاستئناس وإعادة الاستثمار

سيكون على التلاميذ في هذه المرحلة حل تمارين متنوعة تستدعي استعمال المعرفة الممأسسة (institutionnalisée)، وبالتالي سيعملون على تنمية وتطوير عاداتهم وخبراتهم. كما سيعملون على دمج معارفهم الاجتماعية ومواجهتها بمعارفهم الخاصة، وعلى تنمية تصوراتهم بشكل يسمح لهم بالتعامل مع حقل أوسع من المسائل.

ü   المرحلة 6 : تعقيد المهام أو مسائل جديدة

يقترح الأستاذ على التلاميذ مسألة أكثر تعقيدا تجعل الكائن موضوع الدرس يلعب دور "القديم الصريح" من أجل الشروع في دورة جديدة لجدلية الأداة-الكائن.

5) لعبة الإطارات (jeu de cadres)

يستعمل هذا التعبير عندما تتم عملية تغيير الإطار بإيعاز من الأستاذ من أجل مساعدة التلاميذ على التقدم في مراحل البحث وبلورة جملة من الأسئلة المناسبة بخصوص المسألة المطروحة. ويمكن التمييز بين مراحل ثلاث تهم هذا الإجراء:

أ‌-  مرحلة النقل والتأويل:

تكون المسألة المقترحة على التلاميذ مصاغة في إطار معين، جبري هندسي، تحليلي، ... وأخذا بعين الاعتبار لمعارفهم ، وتجاربهم وعاداتهم، ستقودهم دراسة المسألة المقترحة إلى ترجمة نص المسألة أو جزء منه في إطار آخر، ثم القيام بتأويل عدد من الأسئلة. سيعملون على إقامة عدد من التقابلات أو الترابطات ما بين الإطارات (بين الكائنات وبين العلاقات)

4

ب‌-مرحلة التقابلات الناقصة:

إن التقابلات التي نسجها التلاميذ بين مختلف الإطارات تظل ناقصة في هذه المرحلة وذلك لأسباب إما رياضية محضة، أو لعدم كفاية معارفهم، فتصبح الوضعية المقترحة مولدة لحالة اللاتوازن المعرفي وتسمح بإعادة هيكلة المعارف.

ج- تحسين التقابلات وتقدم المعرفة:

إن إقامة تواصل/حوار مناسب بين الإطارات سيشكل عاملا أساسيا في حصول حالة التوازن، كما أن التفاعل ما بين هذه الإطارات يسمح بتقدم وتنمية المعارف المنتمية لكل منها.

ع. اللطيف زريوال وآخرون

 

No ratings yet - be the first to rate this.

إضافة تعليق

You're using an AdBlock like software. Disable it to allow submit.